Translate

Sunday, March 7, 2021

لجم العوام والغوغاء عن نقد العلماء - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 6/3/2021

 أجابت «دار الإفتاء» عبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» على سؤال: ما رأى الشرع فى الذين يتناولون آراء العلماء القدماء والمعاصرين بالنقد والتجريح، والتشكيك فى مناهجهم ونواياهم؟ وقالت: الأصل فى التجرؤ على العلماء المنع، ويحرم فى حقِّ العوام مطلقاً، أما العلماء فيجوز لهم النقد والاعتراض والمناقشة بشروطها.

انتهى الخبر، وأعتقد أنه قد انتهى معه أيضاً معنى العلم، فروح العلم وجوهره ونواته وذروة سنامه هو النقد والتجرؤ والتشكيك، فلا يوجد علم بدون نقد وبدون تجرؤ وبدون تشكيك، والعالم الحقيقى الذى يفهم معنى العلم يعرف ويوقن بأن النقد بل النقد العنيف هو ضرورة وبدونه يموت العلم بأسفيكسيا الطاعة والرضوخ والقمع والانسحاق، ولا يوجد عالم يغضب من انتقاد أحد له على نظريته العلمية أو معادلته الكيميائية، ويكفره ويخرجه من الملة العلمية أو الجمعية الطبية، لأنه تشكك أو انتقد أو حتى قام بالتجريح والسخرية.

والسؤال: هل نحن نعيش فى القرون الوسطى حيث إحراق برونو وسجن جاليليو؟ الحضارة قد تجاوزت تلك الفترة السوداء، وعلينا ألا نُخرج من جعبتنا مثل تلك الفتاوى التى عطلتنا قروناً وقروناً منذ أن حرمنا الحنفية والطباعة والقهوة، حتى وصلنا لتحريم زرع الأعضاء والبتكوين وجوزة الطيب!!

والسؤال: هل ممنوع على العوام باعتبارهم من الغوغاء أن ينتقدوا ويشككوا فى فتوى أحد العلماء التى تقول بأن أقصى مدة للحمل أربع سنوات؟ هل ممنوع وحرام أن أنتقد وأشكك فى كلام من يقول إن غسيل الكلى تدخُّل فى مشيئة الله وتأخير للقائه؟! هل مطلوب منِّى أن أخرس بحجة عدم التجرؤ على العلماء حين يطعن شيخ فى معنى الوطن والوطنية ويقول إنه قد سجد شكراً لله عند هزيمة ١٩٦٧ ويبرر له المغيَّبون كلامه؟! هل ممنوع وحرام أن أنتقد من يقول إن السبى والجوارى هى حلول لمشكلاتنا الاقتصادية؟ هل ممنوع وحرام أن أنتقد بل وأهاجم من يخرب أهم موارد الدخل بتحريض الناس على سرقة الآثار؟! هل ممنوع وحرام أن أنتقد وأشكك فى فتوى العالم الكبير الذى أوصى بعدم تكسير عظام النساء أثناء ضربهن؟!

وهل من باب التجرؤ والازدراء أن أهاجم بأعلى صوتى من تسبَّب فى قتل أبى أو أمى أو ابنى عندما لم أجد من يزرع لهم كبداً أو قرنية، لأن فضيلة الشيخ العالم قد قال إن هذه الأعضاء ملك لله ولا يحق للشخص التصرف فيها؟! هل ممنوع وحرام أن أنتقد وأشكك فيمن جعل ابنتى تترك عملها فى البنك لأنه أقنعها من خلال فتوى أن العمل فى البنوك حرام لأنها تتعامل بالربا؟!

يا سادة.. فتاوى هؤلاء التى تريدون تحصينها وعدم المساس بأصحابها وكأنهم أنصاف آلهة، تخرب حياة أشخاص وتدمر عائلات وتقيم حروباً وتكفر شعوباً وتقتل بنى آدمين، هذه ليست وجهات نظر تقال على المقاهى فى لحظات السمر أو ماتشات الطاولة والدومينو ثم ينفض المولد، بل هى أفكار محنطة ومحرضة آتية من كهف الماضى محملة بصدأ الركود وعفن الخمود ورائحة البارود، ولا بد لنا بكل ما أوتينا من قوة أن ننتقدها ونشكك فيها ونهاجمها وندحضها بل ونفضحها، لأن هذا مستقبل أولادنا وأوطاننا وحياتنا، ولا يوجد فصال ولا تصح مساومة على شمس المستقبل، فإما نور خيوط أشعتها يوقظنا ويبث فى أوصالنا الحياة، وإما كسوفها وغروبها الدائم ليسود الظلام وتذبل الروح وتجف كل الينابيع والأنهار.


Saturday, March 6, 2021

أنا الزائدة الدودية.. أتحدث إليكم! بقلم د. وسيم السيسى ٦/ ٣/ ٢٠٢١ - المصري اليوم

 

لماذا تطلقون علىَّ اسم زائدة وأنا لست بزائدة، بل ضرورة لأجسادكم، ولماذا تقولون عنى دودية، وأنا لست كالدودة، بل وعاء لما فيه صحتكم! أعرف أن تشارلز داروين هو مَن وضعنى ضمن الأعضاء التى ضمرت بحكم التطور، كالذيل، وعضلات الأذن القادرة على تحريكها، وفى رأى داروين أننى كنت امتدادًا لجزء من القولون CECUM كما هو الحال الآن فى الخيول، كما كنت موجودة بهذا الحجم لهضم السليلوز الموجود فى لحاء الشجر والألياف النباتية، فلما تغير نظامكم الغذائى ضمرت!!.

هل تعلمون أنى موجودة فيكم والـ: APES مثل الشمبانزى والغوريلا والأورانج أوتان والبابون، ولست موجودة فى القردة Monkeys، والفرق هو عدم وجود ذيول عند الـ: Apes وطبعًا الإنسان. لم يخلق الله خلية واحدة فى أجسادكم دون وظيفة لها، لذا فهى جريمة، تشويه أعضاء الأنثى التناسلية، كما هو طقس وليس ضرورة ختان الذكور، والذى هو واحد بالمائة فى السويد، وبعد عمر ثلاث سنوات، حسب توصيات North American Clinics، لماذا تنسون: «لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم» سورة التين آية ٤.

أخيرًا جاء العلم لينصفنى، ها هى جامعة Mid Western universty ٢٠١٧، وها هو وليام باركر فى جامعة ديوك يعلنان أنى لست بزائدة ولا دودية، إنما أنا غنية جدًا بالنسيج الليمفاوى، وأنى جزء من جهاز المناعة، لذا أقوم بإفراز أجسام مضادة لما هو ضار ويأتينى فى الطعام، كما أنى وعاء لنوع من البكتيريا الضرورية للأمعاء، وحين ينتابك دور من الإسهال، أو تتعاطى مضادات حيوية، ومن آثارها الجانبية قتل الفلورا المفيدة للأمعاء، فأنا البنك الذى يحافظ على هذه البكتيريا النافعة لكم، فأعوض ما ضاع منكم فى الإسهال أو بسبب المضاد الحيوى، لذا تجدوننى كبيرة الحجم عند الأطفال لحاجتهم الشديدة لى، ثم أصغر حجمًا مع تقدم العمر، لذا وجد بعض العلماء أن نسبة سرطان القولون أعلى فيمن أنا صغيرة عندهم!

قد يقول البعض: نحن نستغنى عنكِ عند التهابكِ أو انفجاركِ، ولا يحدث شىء! أرد عليهم: وحين تستأصل المرارة أو الطحال أو حتى كلية واحدة، فهل يحدث شىء ظاهر لك؟ كذلك أنا، الاستغناء عنى يجب أن يكون اضطرارًا وليس اختيارًا، ولكنى أعتب على صديقى كاتب هذه السطور أنه يستأصلنى اختيارًا بالرغم من أنى سليمة أثناء إجرائه عملية استئصال المثانة الجذرى بسبب سرطان المثانة، وعمل مثانة من الأمعاء!.

هذا وقد وصلنى منه رد فى التو واللحظة، موضحًا لى أنه يفعل ذلك خوفًا من الأيام. إذا أصبت بالتهاب، فقد يجد الجراح الأخير صعوبة فى الوصول إلىَّ بعد العملية الأولى، كما طيّب خاطرى بقوله إنه، ومعه جراحو الكلى والمسالك البولية، أصبحوا يستخدموننى فى حالات عدم التحكم فى البول بعملية اسمها: Metrifanoff Operation.


هل النظرية أقل من الحقيقة العلمية؟ - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 5/3/2021

 وصلتنى هذه الرسالة المهمة من الباحث السورى حسن عيسى يرد فيها على مَن يقللون من النظرية العلمية وأهميتها وأنها ليست حقيقة مثلما يقولون عن التطور أنه مجرد نظرية، تقول الرسالة:

يجب أن نميز ما بين كلمتى فرضية ونظرية اللتين نستخدمهما فى الحياة العادية وتعنيان نفس المعنى تقريباً وهو «طرح غير مثبت بعد» وعندها يصح أن تقول عن كلام أحد ما «إنه مجرد فرضية أو مجرد نظرية» إن كنت تعنى بهذا أن كلامه مجرد رأى غير مثبت... لكن إضافة صفة «علمية» لأىّ منهما فهذا يغير المعنى والاستخدام تماماً.

فالفرضية العلمية Scientific Hypothesis هى إحدى مراحل المنهجية العلمية (خاصة التجريبية) وتأتى بعد مرحلة الملاحظات والمشاهدات لظاهرة ما Phenomenon والفرضية العلمية هى عبارة عن تفسير مقترح Proposed explanation أو تفاسير علمية تحاول أن تشرح هذه المشاهدات والملاحظات بناءً على تحليل علمى وتفكير تحليلى واعتماداً على ما تطرق إليه العلم حول هذه الملاحظات أو شبيهاتها ضمن ما يسمى بـScientific Background & Literature Review ولكنها ما زالت فرضية علمية لأنه لم يتم اختبارها وإجراء التجارب عليها.

أما النظرية العلمية فهى المرحلة التى تأتى لاحقاً بعد تقسيم الفرضية العلمية إلى أجزاء تسهل دراستها وإجراء التجارب عليها، وبعدها تتم دراسة كل جزء منها عبر منهجية علمية Scientific approach، تتضمن تصميم تجارب Experimental Design (Design of experiments) والذى يشمل جميع العوامل المؤثرة على هذه الظاهرة وكيفية تأثير هذه العوامل على هذه الظاهرة وكيفية تفاعلها مع بعضها، بالإضافة لعدد التكرارات Replicates اللازمة لكل تجربة من هذه التجارب، ومن هذه التجارب نحصل على نتائج نناقشها علمياً وإحصائياً Statistical Hypothesis Testing لنعرف مدى صحتها العلمية والإحصائية عبر دراسة القيم الاحتمالية ومدى الأهمية الإحصائية المقاسة Asymptotic Significance، وبعدها فى حال الحصول على نتائج مهمة علمياً وإحصائياً نقوم بتكرار هذه التجارب للتأكد من أنها ستعطى نفس النتائج، وعندها نحصل على ما يمكن أن نسميه مبدئياً النظرية العلمية Scientific Theory، ولكن حتى يتم الاعتراف بها فلا يكفى أن يقتنع بها صاحبها أو أن يؤمن بها أتباع معينون بل يجب الاعتراف بها علمياً عبر تقديم النتائج كبحث لمجلة علمية محكمة ذات اعتماد أكاديمى وتعتمد مراجعة الأقران Peer Review حيث يخضع البحث للتدقيق والمراجعة والتأكد من المحتوى، وعندما تتم الموافقة عليه عندها نستطيع القول إنها نظرية علمية... طبعاً أنا هنا أركز على المنهجية العلمية التجريبية، لأن هذا الخلط يحدث كثيراً فى العلم التجريبى، ومع ذلك العلوم غير التجريبية أو الدراسات الإنسانية لها منهجيات علمية وأكاديمية لا تقل صرامة ودقة.

إذاً القول بأن شيئاً ما هو نظرية علمية يعنى أنه شىء علمى مرّ بكل المراحل السابقة وليس مجرد رأى كما فهمته أنت من كلمة نظرية... وإن كنت تنتظر من شىء ما يعتبر نظرية علمية أن يتحول إلى حقيقة علمية أو قانون علمى فاسمح لى أن أصدمك بأن هذا ليس ممكناً! فالنظرية العلمية لا يمكن أن تتحول إلى حقيقة علمية ولا قانون علمى فكل واحدة منهما تصف شيئاً ما...

فالحقيقة العلمية Scientific Fact هى الظواهر التى يمكن أن تشاهد وتقاس، والنظرية العلمية Scientific Theory هى التفسير العلمى أو الشرح العلمى لسبب حدوث هذه الظاهرة أو الحقيقة، أما القانون Law فهو وصف حسابى أو مادى لهذه الظاهرة يكون صحيحاً فى كل مرة نجربه أو نحسبه دون أن يفسر سبب حدوثها.. أى أن الحقيقة العلمية هى الشىء الذى يحدث، والقانون هو الوصف الحسابى له، والنظرية العلمية هى تفسير سبب حدوثه.


Thursday, March 4, 2021

أزمتنا الفكرية ونقص التراكم - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 4/3/2021

 التطور يحتاج إلى تراكم، والمنهج العلمى بناء رأسى تتراكم فيه طبقة فوق طبقة، تضيف وتجود وتحسن تحقيقاً للأفضل، وعدم تطورنا الفكرى والعقلى وعودتنا لمناقشة أشياء قد حسمت منذ ألف سنة وتجاوزتها الأحداث وصارت فى متحف التاريخ، دليل على أن ثقافتنا ينقصها هذا التراكم الشبيه بالطبقات الجيولوجية، التى حفرياتها الأقدم قابعة فى الأسفل، وحفرياتها الأحدث أكثر تطوراً موجودة قرب السطح، مصر هى البلد الوحيد الذى بعد كل تلك السنوات تسود فيه رؤية دعاة سلفيين على المزاج المصرى ويصبح أتباعهم بالملايين

وتجد فيها حفرية الديناصور ترقد فوق جثة الإنسان! وهى البلد الذى أنجب الشيخ محمد عبده وعبدالمتعال الصعيدى وشلتوت، لم تتراكم آراء هؤلاء المجددين، بل عدنا إلى نقطة الصفر، كنت أتخيل أننا سنبنى على آرائهم، ونسد الثغرات التى لم يملأوها، فحتى هؤلاء المجددين كانت لهم آراء تحتاج إلى دفعة وتحديث يتناسب مع الزمن، لكن ما حدث أن القدماء فى المؤسسة الدينية انتقدوا تعدد الزوجات وعدنا الآن بعد قرنين نمجد ونمدح بل ويتكون عندنا جمعيات نسائية تدعو لتعدد الزوجات!!

وكانوا قد قاربوا بين السنة والشيعة ودعوا للاستفادة من فقههم والتلاقح ما بين اجتهاداتهم واجتهاداتنا، فعدنا فى ذلك العصر إلى التصريحات النارية العدائية وأخفها وطأة أن الشيعة أخطر من إسرائيل، ويقتل فى زماننا ومنذ سنوات قليلة ويسحل شيخ بأبشع طريقة لمجرد أنه شيعى يحتفل فى بيت مغلق مع أصدقائه!!

لم نستفد ولم نراكم خبرة أن ينقذ رجل عدالة ووكيل نيابة شاب مفكراً من اتهام التكفير بل ويكتب أن ما كتبه طه حسين يقع فى دائرة البحث العلمى، ونأتى نحن بعد سنوات لنحكم على الباحث نصر أبوزيد بالتفرقة بينه وبين زوجته لأنه مارس جريمة البحث العلمى!! دائماً نعود إلى المربع رقم واحد، فى زمن الطرابيش عندما أنشئت جامعة القاهرة (فؤاد) كانت القاعدة أن دينها العلم والبحث والبعد عن الطائفية وتديين أنشطة الجامعة العلمية، أكد على ذلك أحمد لطفى السيد وسعد زغلول، وأعمدة الليبرالية المصرية، لكننا لم نستخدم فضيلة التراكم الثقافى

وتركنا الجامعة فترة طويلة ميداناً للتلاسن والتمييز الطائفى، كان سلامة موسى أول مفكر عربى يشرح لنا التطور بفهم وجرأة، محطماً تابوهات راسخة، أيضاً لم نستفد ولم نراكم وصارت مناهج مدارسنا بعد قرن كامل تخاصم تدريس نظرية التطور بعدما صارت عموداً من أعمدة بناء علم البيولوجى، انطلق إسماعيل أدهم منذ مائة سنة فى التحليق بحرية وأصدر كتابه «لماذا أنا ملحد»

وتم الرد عليه ولم يدخل السجن، بينما دخل السجن بعد صدور الكتاب بثمانين سنة المفكر الشاب إسلام بحيرى لأنه انتقد البخارى، وهو يعلن أن هدفه هو إنقاذ الإسلام، لم يعلن أنه ملحد أو متشكك أو لادينى.. إلخ، مجرد أنه انتقد التراث!! عشرات الأمثلة تؤكد على أن جوهر أزمتنا العقلية هو نقص أو انعدام التراكم، وأننا لا نحسم أى ملف فكرى جاهد فيه مفكرون قبلنا لنتجه إلى ملفات أخرى أهم وأخطر، ولكننا نظل نحكى فى المحكى ونكتب هوامش على الهوامش ونمارس رياضة الجرى فى المكان، أو بالأصح الهرولة إلى الخلف.


Wednesday, March 3, 2021

يوسف شعبان وظاهرة النجم التليفزيونى - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 2/3/2021

 رحل يوسف شعبان، وبوداعه ودّعنا جيلاً عظيماً منح الفن روحاً جديدة وألقاً متفرداً، جيلاً رحل عنا معظمه بالموت أو بالإهمال وهو على قيد الحياة، كانت صرخة يوسف شعبان قُبيل رحيله وشكواه من نسيان المنتجين والمخرجين لجيله صرخة أوجعت وأدمت القلب والروح، يوسف شعبان ابن دفعة العمالقة الذين تخرجوا فى معهد الفنون المسرحية معاً وخاضوا تجربة الدراما التليفزيونية ومسارح التليفزيون معاً لا واسطة لهم إلا موهبتهم الفياضة التى خرجت كالبركان، صنعوا مجد مسلسلات وتمثيليات ماسبيرو التى ما زلنا نعيش عليها وتفخر بها شاشاتنا حتى اليوم.

دفعة يوسف شعبان رحل منها قبله الفنانون المبدعون عزت العلايلى وحمدى أحمد وأبوبكر عزت وزين العشماوى وصلاح قابيل وأحمد توفيق، وما زال بيننا مد الله فى عمرهم ومتعهم بالصحة جلال الشرقاوى وعبدالرحمن أبوزهرة ورشوان توفيق، هذه الدفعة، أو هذا الجيل يتميزون بأنهم نجوم دراما تليفزيونية، وبينهم نجوم مسرح أولاً، ثم تأتى السينما فى المرتبة الثانية، وأستثنى منهم فقط عزت العلايلى الذى كانت السينما هى ملعبه المفضّل والأفضل، إذا استثنينا «العلايلى» نجد أنهم، وعلى رأسهم يوسف شعبان كانوا أبطال دراما تليفزيونية بلا منازع، كل منهم غول تمثيل أمام كاميرات التليفزيون، والذى كان فى بدايته شبيهاً بالمسرح، فقد كانوا يصورون الخمسة وأربعين دقيقة أو النصف ساعة، نَفَس واحد بدون توقف، ولو حدث خطأ يعيدون من البداية!!!

احتضنهم الفنان العبقرى سيد بدير فى بداياتهم وصقلهم ومنحهم قبل الموهبة التى كانت موجودة عندهم بالفعل، منحهم الثقافة والحس وبوصلة ورادار القدرة على الاختيار السليم، وكانت أدوارهم الثانية فى السينما علامات لا يمكن أن تنساها، وتأثيرها مثل تأثير البطولة بالضبط، لكن ظلت ظاهرة النجم التليفزيونى عصية على التفسير.

من يشاهد يوسف شعبان فى «رأفت الهجان» أو «الشهد والدموع» أو «المال والبنون» أو غيرها من أعماله التى صارت من كلاسيكيات التليفزيون، يتعجّب كيف لهذا المارد العملاق الذى يخطف القلوب قبل الأبصار أثناء أدائه، وعيناه كالمغناطيس لا يمكن أن تقاوم جاذبيتها وتأثيرها كمشاهد، كيف لهذا النجم التليفزيونى ألا يقتحم السينما ويحصل على بطولات كثيرة مثل الجيل الذى سبقه، أحمد مظهر وشكرى سرحان ورشدى أباظة.. إلخ، ما السبب؟، هل هناك مواصفات لنجم السينما مختلفة عن التليفزيون؟

مع يوسف شعبان كان السؤال فعلاً أكثر صعوبة، فهو وسيم ولا نستطيع إلا أن نصفه بالچان الذى لا يقل وسامة عن أى نجم سينمائى، ومن ناحية التمكن فهو متمكن أمام كاميرات السينما بنفس الحضور والكاريزما التى تظهر أمام كاميرات التليفزيون، يكفى أن تشاهد مشاهده مع الفنانة شادية فى فيلم «ميرامار».

السؤال ما زال مطروحاً، لكن ما ليس مطروحاً، هو تعويض هذا الجيل بكل هذا الثقل الفنى وحجم الموهبة الجامحة، والأهم عمق الثقافة وعشق الفن.

Tuesday, March 2, 2021

أعوام نجيب محفوظ.. البدايات والنهايات: كتاب مثير لمحمد شعير بقلم د. محمد أبوالغار ٢/ ٣/ ٢٠٢١ - المصري اليوم

 

هذا هو الكتاب الثانى لشعير عن نجيب محفوظ بعد كتابه أولاد حارتنا «سيرة الرواية المحرمة». فى هذا الكتاب الجميل الصادر عن دار الشروق، يتناول أدب نجيب محفوظ من بدايته إلى رحيله مع خلفية تاريخية عن أحوال مصر عبر سنوات عمره وعلاقة محفوظ ومدى تأثره بالآخرين وبالمجتمع والأحداث.

يصف شعير أحوال مصر يوم ميلاد محفوظ ١١ ديسمبر ١٩١١ ويصف مسرح سلامة حجازى وجورج أبيض وما تكتبه الصحف، ويوضح أن مقاومة الاحتلال فى الشارع كان يقودها الحزب الوطنى بقيادة محمد فريد والصحافة بقيادة عبدالعزيز جاويش، وكان وزير التعليم سعد زغلول قبل انضمامه للشعب ضد الاحتلال. كان تعداد القاهرة ٧٠٠ ألف نسمة وكان عدد طلاب المدارس العليا ١٠١٤ والثانوى ٢٤٠٥. وفى هذا العام سافر مختار إلى باريس لدراسة النحت، وأوشك محمد حسين هيكل على الانتهاء من كتابة أول رواية مصرية «زينب» وأطلق طلعت حرب فكرة إنشاء بنك مصر وتم اغتيال بطرس غالى مما أدى إلى فتنة بين المسلمين والمسيحيين.

يحكى شعير عن حادث سرقة عائلية لأوراق محفوظ بعد وفاة والدته، وانتقلت الأوراق إلى نيويورك لتستقر فى الخليج عند هاو لجمع التراث، واستطاع شعير بمجهود كبير أن يحصل على صورة من معظم الأوراق القديمة والحديثة أهمها نص ذكريات الطفولة «الأعوام» والتى كتبها متأثراً بسيرة طه حسين «الأيام» ويقدر شعير أنها كتبت عام ١٩٢٩ وكان عمر محفوظ ١٨ عاماً وهو نص هام ينشر لأول مرة يتحدث فيه عن طفولته بدءاً من الرضاعة من ثدى أمه، ووصف لبيت الجمالية والسطوح وشجر اللبلاب وضرب أمه له لشقاوته والخوف من العفاريت والثعابين، وأخته التى طلقت بعد أن أنجبت ٣ أطفال، ويصف حماة أخته التى كانت تخيف محفوظ، ويحكى عن إصابته بالمرض وشفائه وكيف كان يخرج مع أمه إلى العتبة، ويركبون الترام إلى الجيزة أو مصر الجديدة للفسحة وركوب عربة كارو، وكيف شاهد عساكر الإنجليز من النافذة وهم يحتلون قسم بوليس الجمالية، وكيف كان الجميع يخافون منهم، ويذكر أنه عرف فى طفولته أن سعد زغلول نفى خارج الوطن، وأن الثورة اشتدت، وأن هناك وزيرا اسمه نسيم وآخر اسمه ثروت وهما مكروهان، ويتذكر الاحتفالات والهتافات عند عودة الزعيم سعد زغلول. ويحكى ذهابه إلى مدينة الملاهى فى مصر الجديدة. وأطلقت عليه أمه لقب «أبو التفانين الرايق» لولعه بالفن وحياة العوالم. ويحكى بالتفصيل انتقال العائلة من الجمالية إلى العباسية الحى الحديث، حيث هناك كهرباء ومياه جارية ومجار وحديقة خلف المنزل.

يحكى الكتاب عن علاقة محفوظ بطه حسين وأولها تأثره بالأيام ثم امتحان القبول فى الجامعة حين سأله طه حسين لماذا تريد أن تدرس الفلسفة فيجيب محفوظ لأنى أريد معرفة الكون وأسرار الوجود، فيضحك طه حسين ويقول أنت جدير بالفلسفة فعلاً لأنك تقول كلاماً غير مفهوم. وكان محفوظ يرى أن ثورة طه حسين ضد المناهج القديمة هى انتفاضة عقلية موازية للثورة الحقيقية التى فجرها سعد زغلول، ولم يكن سعيداً أن طه حسين لم يكن منضماً للوفد حزب الشعب، فقال إن رجلاً مؤمناً بالحرية فى حدودها القصوى مثل طه حسين لا ينبغى أن يكون كاتب الأرستقراطية المصرية (الأحرار الدستوريين) بل أن يكون مقرباً من سعد زغلول. وواضح أن تأثير طه حسين عليه كان طاغياً.

ويشير شعير إلى مقال نشره محفوظ فى المجلة الجديدة عام ١٩٣٤ موضحاً الثلاثة الذين أثروا فيه، وقال إنهم صانعو نهضتنا الأدبية العقاد رجل البداهة وسلامة موسى رجل التفكير العلمى وطه حسين رجل الذكاء. ولم يلتفت النقاد إلى أعمال محفوظ لفترة طويلة ولفت الناقد أنور المعداوى نظر طه حسين إلى رواية بين القصرين فكتب مقالاً عنها واعتبر محفوظ ذلك أسعد أيام حياته وكتب لويس عوض أن محفوظ هو الكاتب الذى رضى عنه اليمين والوسط واليسار والقديم والحديث ومن هم بين بين.

والحديث عن أبيه كان محدوداً فذكر أنه كان أنيقاً يلبس الجبة والقفطان فى الصيف والبدلة فى الشتاء وكان محباً لصالح عبدالحى الذى ألف له طقطوقة «لابس جبة وقفطان.. وعاملى بتاع نسوان.. مبقاش فى الدنيا أمان».

وينتقل شعير إلى ولادة محفوظ وحكاية أن الذى قام بالولادة هو د. نجيب محفوظ مجرد احتمال غير مؤكد. ثم يذكر أن عم محفوظ واسمه فهمى استشهد برصاص الإنجليز وخلده نجيب فى الثلاثية. وبعد أن غاص فى طفولته واهتمامه بكرة القدم ينتقل إلى النهايات وتأثره بعدد من الفلاسفة هم ديكارت، كانط، شوبنهور وسارتر وكامو، وتأثر بسارتر فلسفة وموقفاً.

كتب محفوظ الأخيرة تذكر الطفولة والشباب وأيام الجمالية والعباسية. الأسلوب تغير والتكنيك تغير مع الشعور بالشيخوخة ودنو النهاية وهيمنة الوداع. ويحكى شعير من الوثائق عن المراحل الثلاث التى مرت بها أصداء السيرة الذاتية. وتجلت روعة محفوظ فى نهاية أعماله حين كتب عن عبدربه التائه. تجلت كراماته فى المداومة على خدمة الناس وذكر الله وفى عيد ميلاده المائة سكر ورقص وغنى وتزوج بكراً فى العشرين، وفى ليلة الدخلة جاءت كوكبة من الملائكة فبخرته ببخور من جبل قاف، وعندما سئل هل تحزن الحياة على أحد؟ أجاب نعم، إذا كان من عشاقها المخلصين وهدفه الدائم العدل والرحمة للنجاة ولا شىء آخر. إن خرجنا سالمين فهى الرحمة وإن خرجنا هالكين فهو العدل. وقال نجيب محفوظ إن مغادرة رغبة الكتابة عندى هى يوم موتى.

الكتاب به تحليل متميز لأعمال محفوظ فى الفترات المختلفة من حياته ومجموعة من الوثائق بعضها بخط يده تنشر للمرة الأولى. حقاً مجهود رائع وإضافة حقيقية هامة.

قوم يا مصرى مصر دايماً بتناديك


Monday, March 1, 2021

المبدع الصغير يحتاج المبدع الكبير - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 1/3/2021

 سعدت كثيراً بجائزة المبدع الصغير التى تشرف عليها وتشملها برعايتها السيدة انتصار السيسى، حرم الرئيس، فهى تفتح آفاقاً جديدة أمام الطفل المصرى، وترسخ قيمة هامة داخل العقل والوجدان المصرى، قيمة أنه لكى تصنع مستقبلاً لهذا الوطن لا بد من الاهتمام بالطفل، هذا التحفيز على الإبداع والكتابة سيفتح مسام الخيال الذى هو كما قال أينشتاين أهم من المعرفة، والشعوب التى تقدمت حضارياً هى الشعوب التى أطلقت لعنانها الخيال بلا حدود ولا أسوار.

لكن المبدع الصغير، من أين سيستمد مخزونه الإبداعى؟ كيف سنصنع وننمى هذا الخيال أصلاً؟ إنه كاتب أدب الأطفال، هو الذى سيبذر فى تلك الأرض البكر الخصبة بذور الفن والخيال والإبداع والابتكار، هو الذى سيكتب على تلك الصفحة البيضاء، هو الذى سيمنح الطفل أجنحة ليحلق بها، لذلك لا بد من الاهتمام بكاتب الأطفال، ذلك الكاتب الذى يعانى فى مصر من التهميش والإهمال، لذلك أوجه ندائى لحرم الرئيس، وأنا أعرف حماسها واهتمامها بهذا المشروع القومى الوطنى المصيرى، لا بد من عمل جائزة كبيرة لأدب الطفل المصرى على غرار جائزة اتصالات وجائزة الشيخ زايد وجائزة كتارا، كل تلك الجوائز الكبرى خصصت فرعاً لأدب الأطفال.

نحن كانت لدينا جائزة منذ أكثر من عشر سنوات وأُلغيت، هل يتصور أحد فى مصر أن كل فروع الأدب لها جائزة دولة تقديرية إلا أدب الأطفال؟! دور النشر صارت ترفض وتتجنب نشر قصص الأطفال، مكتبات المدارس لم تعد تشترى كتب أو قصص أطفال، لا يوجد على شاشاتنا برنامج أطفال واحد يقرأ القصص للأطفال ويشجعهم على اختيارها وتحليلها والتفاعل معها، لا يمكن للمبدع الصغير أن ينجح وسط صحراء خالية من المبدعين الكبار الذين يساهمون فى تنمية خياله، يكفى أن معرض كتب الأطفال تم إلغاؤه، يكفى الإحباط الذى يعانيه أدباء الأطفال فى مصر، تلك الفئة التى اختارت أصعب أنواع الكتابة لتخوض مغامرته.

شكراً لكل مجهوداتك فى مجال النهوض بالطفل وتنمية قدراته الإبداعية، وأعتقد أن الاهتمام بكتاب الطفل، والأديب الذى يكتب للطفل، والبرنامج الذى يقدَّم للطفل، الاهتمام بكل تلك المنظومة سيجعلنا بالفعل نضع حجر أساس المستقبل، فالطفل هو الغد، هو الامتداد، هو الأمل.