Translate

Sunday, October 10, 2021

الأسرة والمال - الأنبا موسى - 3-10-2021 - المصري اليوم

 

المال عطية من الله، له دوره المهم فى حياة البشر، ولكنه أيضًا سبب أساسى فى الصراعات الكثيرة الحادثة الآن على كل المستويات: الفردى، والأسرى، والدولى.

وقد حدّد الكتاب المقدس خطوطًا أساسية للمال، حتى يسهم فى سعادة الإنسان، وخدمة البشرية، وحتى لا يتعبد له الناس، ويتخذونه إلهًا دون الله مانحه. فما هى هذه الخطوط؟

1- المال منحة:

وصية القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: «أَوْصِ الأَغْنِيَاءَ فِى الدَّهْرِ الْحَاضِرِ أنْ لاَ يَسْتَكْبِرُوا، وَلاَ يُلْقُوا رَجَاءَهُمْ عَلَى غَيْرِ يَقِينِيَّةِ الْغِنَى، بَلْ عَلَى اللهِ الْحَىِّ الَّذِى يَمْنَحُنَا كُلَّ شَىْءٍ بِغِنًى لِلتَّمَتُّعِ» (1تيموثاوس 17:6). فكل ما يصلنا من إيراد مادى هو فى الحقيقة منحة من الله. إذ إنه لولا أن الله أعطانا الحياة، ما وصلتنا هذه النقود، ولولا أنه أعطانا الوزنات العلمية والعملية والفنية، ما استطعنا أن نتحصل على شىء، بل لولا أنه أعطانا الصحة ما استطعنا استخدام أعضائنا المختلفة فى إنتاج ما يدر علينا ربحًا: الرسام يستخدم يده، والمهندس يستخدم بصره، والعالِم يستخدم عقله، واللاعب يستخدم قدميه، وهكذا...

لذلك يعلمنا الكتاب المقدس أن نخاطب الرب - حين نقدم صدقة لفقير أو المحتاج عمومًا، فنقول له:

«مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ» (1أخبار 14:29).

2- المال غير أساسى للحياة:

كما قال الكتاب المقدس: «مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ» (لوقا 15:12). إذن فالحياة عطية من الله... والصحة كذلك. وكل جهودنا من أجل أن نحيا أو أن نحتفظ بصحة جيدة، يمكن أن تبوء بالفشل، مهما صرفنا - فى هذا الصدد - من أموال، أو سافرنا إلى آخر الدنيا... الحياة منه، والصحة منه، ونحن نجاهد فى حدود إمكانياتنا من أجل حياة صحيحة، لكننا نثق أن المال لا يستطيع أن يهبنا شيئًا.

3- المال غير أساسى للسعادة:

يقول سليمان الحكيم: «لُقْمَةٌ يَابِسَةٌ وَمَعَهَا سَلاَمَةٌ، خَيْرٌ مِنْ بَيْتٍ مَلآنٍ ذَبَائِحَ مَعَ خِصَامٍ» (أمثال 1:17). فالسعادة قيمة روحية ونفسية سببها الصلة الحية مع الله، والسلام النفسى، وراحة الضمير، والغفران الإلهى، والمحبة الصادقة للناس مهما كانوا... ومن هذا المنطلق نقول: هل يمكننا أن نشترى السعادة بالمال؟! يستحيل... بل بالعكس، فكثير ما أشقى المال - فى كثرته - أصحابه... كيف يحفظونه؟ وكيف يستثمرونه، وكيف يسعدون أنفسهم به سعادة مزيفة فينحرفون... إلخ.

4- المال غير يقينى:

إذ يقول معلمنا بولس الرسول: «أَوْصِ الأَغْنِيَاءَ فِى الدَّهْرِ الْحَاضِرِ أنْ لاَ يَسْتَكْبِرُوا، وَلاَ يُلْقُوا رَجَاءَهُمْ عَلَى غَيْرِ يَقِينِيَّةِ الْغِنَى، بَلْ عَلَى اللهِ الْحَىِّ» (1تيموثاوس 17:6). فالمال شىء غير ثابت.. يأتى اليوم ويذهب غدًا. ويمكن أن يحصل الإنسان على ثروة اليوم ويفقدها لظروف ما فى نفس الوقت. المال شىء متحرك، وعلى الإنسان ألا يحاول أن يثبت قدميه عليه حتى لا ينهار.

5- المال وزنة:

إذ يوصى الكتاب المقدس الأغنياء: «أَنْ يَكُونُوا أغْنِيَاءَ فِى أعْمَالٍ صَالِحَةٍ، وَأَنْ يَكُونُوا أسْخِيَاءَ فِى الْعَطَاءِ، كُرَمَاءَ فِى التَّوْزِيعِ، مُدَّخِرِينَ لأَنْفُسِهِمْ أسَاسًا حَسَنًا لِلْمُسْتَقْبَِلِ، لِكَىْ يُمْسِكُوا بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ» (1تيموثاوس 18:6-19).

لذلك، فالمطلوب أن نستثمر المال لمجد الله، وراحة وسعادة إخوتنا فى البشرية. وكلما أعطينا سعدنا لأنه «مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ» (أعمال 35:20)، وكلما أعطينا ازدادت خيراتنا «النَّفْسُ السَّخِيَّةُ تُسَمَّنُ، وَالْمُرْوِى هُوَ أَيْضًا يُرْوَى» (أمثال 25:11). وكم أغنياء كانوا أغنياء فى الإيمان وأعمال الخير، وقدموا للبشرية خدمات لا حصر لها.

نحن إذن وكلاء على هذا المال الذى هو أصلًا ليس لنا وليس منا، لكنه عطية من الله، لذلك يسميه الكتاب المقدس: «مال الظلم» (لوقا 1:16-15)، تمامًا كالأموال التى اقتنى بها وكيل الظلم أحباء... هى ليست أمواله، لكنها أموال سيده، ومن خلالها استطاع أن يقتنى أصدقاء. ومع أن تصرف وكيل الظلم خطأ، لأنه أخذ ما ليس له ولكن الرب يطلب منا أن نتعلم من «أبناء هذا الدهر» أن نستثمر الأموال التى هى أصلاً من الله، لنقتنى بها أصدقاء.

إن الرب قد ائتمننا على ما لدينا من مال، فلنتصرف فيه بحكمة وضمير حى، نأخذ ما نحتاجه، ونترك ما بقى للرب ليتصرف فيه حسب ما يرى، ربما لخدمة محتاج، أو ربما لظرف طارئ، فالرب يمنعنا من الإسراف «السِّكِّيرَ وَالْمُسْرِفَ يَفْتَقِرَانِ» (أمثال 21:23). ولكنه أيضًا يحضنا على جمع الكِسر (متى 37:15)، كى تخدم آخرين.

يجب التعامل مع الأموال بحكمة. إذ يجب علينا توفير المال، ولكن ليس اكتنازه. وعلينا أن نصرف أموالنا بتحكم وحكمة. وعلينا أن نعطى من أموالنا لله بفرح وتضحية. ويجب علينا استخدام المال لمساعدة الآخرين، ولكن بتمييز وإرشاد.

كما يحذرنا الكتاب المقدس من النوم فى وقت يجب علينا العمل فيه. فالكسلان شخص مهمل يفضل الراحة على العمل. ونهايته معروفة – الفقر والعوز. وفى المقابل نجد الشخص المحب للثروة، مثل هذا الشخص بحسب ما يقوله سفر الجامعة 5: 10 لا يكتفى من الثروة، ويسعى دائمًا للحصول على المزيد والمزيد، فى النهاية يقول الكتاب المقدس: «لأَنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ، وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لاَ نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ. فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ، فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا، وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ، فَيَسْقُطُونَ فِى تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ، تُغَرِّقُ النَّاسَ فِى الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ. لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ».

أسقف الشباب العام

بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

المال لا يُتكل عليه - الأنبا موسى - 10-10-2021 - المصري اليوم

 

ذكرنا فى العدد الماضى بعض الخطوط الأساسية عن المال، ومنها: 1- المال منحة. 2- المال غير أساسى للحياة. 3- المال غير أساسى للسعادة. 4- المال غير يقينى. 5- المال وزنة. ونستكمل موضوعنا..

6- المال لا يُتكل عليه

إذ إن الاتكال على المال إنكار لله، كما قال الرب: «مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ!» (مرقس 24:10). أو كما قال أيوب الصديق: «إِنْ كُنْتُ قَدْ جَعَلْتُ الذَّهَبَ عُمْدَتِى، أَوْ قُلْتُ لِلإِبْرِيزِ: أَنْتَ مُتَّكَلِى.. أَكُونُ قَدْ جَحَدْتُ اللهَ مِنْ فَوْقُ» (أيوب 24:31، 28). إذن فالمشكلة فى اعتبار المال عماد الحياة، وركيزة المستقبل، والاطمئنان على أساس أن لدينا شيئًا نرتكز إليه، فكم من أغنياء لم ينقذهم المال من وباء كورونا!. هذا لا يعنى - كما ذكرنا - عدم الادخار، فالادخار غير الاتكال. الادخار تجنيب الفائض، مقدمين إياه لله، يستخدمه كما يشاء: للخدمة أو للطوارئ.. واثقين أن سندنا الوحيد والجوهرى هو الله نفسه وليس المال.

7- المال لا يُشتهى

فالذى يحب المال يدخل إلى شرور كثيرة، كالسرقة، والاختلاسات، والظلم، والأمور غير المشروعة، وإذ يشتهى أن يصير غنيًا يضل عن الإيمان، ويطعن نفسه بأوجاع كثيرة، ويسقط فى تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبية ومضرة، ويغرق نفسه فى العطب والهلاك (1تيموثاوس9:6،10). لذلك اعتبر الرب محبة المال منافسًا لعبادة الله، حين قال: «لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ... لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللَّهَ وَالْمَالَ» (متى 24:6).

8- المطلوب هو الكفاية

إن الإنسان يسعى وينمى دخله وينتقل إلى عمل أفضل أو وظيفة تدر عليه عائدًا أكثر، ولكن هدفه الرئيسى هو «الكفاية»... وليس «الثروة» أو «تعظم المعيشة والبذخ»... وهذا فرق شاسع: «وَأَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِىَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ» (1تيموثاوس 6:6)، «فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ، فَلْنَكْتفِ بِهِمَا» (1تيموثاوس 8:6)،

«كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ» (عبرانيين 5:13)، «وَلَكُمْ كُلُّ اكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِى كُلِّ شَىْءٍ، تَزْدَادُونَ فِى كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ» (2كورنثوس 8:9).

- «والكفاية» هى الحياة العادية «خبزنا كفافنا»... أى الحياة المستريحة والممجدة لله، فالله لا يريد شقاءنا بل سعادتنا، وقد أعطانا كل «الكفاف».

- أما «التنعم»، «... وَأَمَّا الْمُتَنَعِّمَةُ فَقَدْ مَاتَتْ وَهِىَ حَيَّةٌ» (1تيموثاوس 6:5). «لأَنَّ كُلَّ مَا فِى الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ، وَالْعَالَمُ يَمْضِى وَشَهْوَتُهُ» (1يوحنا 16:2-17).

9- المال والتنظيم

الإنسان الحكيم ينظم المال فى أسرته، فالزوجان يضعان نقودهما معًا فى أمانة، ثم ينظمان الاحتياجات، وأهمها:

أ- حق الله: العشور - البكور - النذور.

ب- حق كل شريك: فى مبلغ خاص مناسب للتصرف.

ج - حق الأسرة: مصروفاتها اليومية. د- حق الأولاد: فى تدبير مستقبل أفضل لهم.

هـ- حق الأسرة الكبيرة: عند الاحتياج... الجد والجدة والأقارب.

و- حق الادخار: ليتصرف فيه الله كما يشاء لخير الأسرة أو الآخرين.

ويجب أن تسود روح التفاهم فى هذا الأمر، وروح العطاء والمحبة، وروح العدالة وإحقاق الحق.. فكثيرًا ما انهارت بيوت بسبب المال، مع أنه لا يستحق كل هذا المركز فى حياتنا. ويقول الكتاب المقدس: «لِتَكُنْ سِيرَتُكُمْ خَالِيَةً مِنْ مَحَبَّةِ الْمَالِ. كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ» (عبرانيين 13:5).

لا تعنى القناعة أننا لن نقلق بالمرة بشأن الأمور المادية، لكنها تساعدنا أن نسيطر على مشاعر الهم. فلا ننهار إذا تعرَّضنا لخسارة مالية، بل نسعى إلى تبنِّى موقف الرسول بولس: «أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِى كُلِّ شَىْءٍ وَفِى جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ» (فليبى 12:4).

وفى النهاية يقول الكتاب المقدس:

1- «مَنْ يَتَّكِلْ عَلَى غِنَاهُ يَسْقُطْ» (أمثال 11:28).

2- «غِنَى الْبُطْلِ (الكسل) يَقِلُّ، وَالْجَامِعُ بِيَدِهِ يَزْدَادُ» (أمثال 13:28).

3- «مَنْ يُحِبُّ الْفِضَّةَ لاَ يَشْبَعُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَمَنْ يُحِبُّ الثَّرْوَةَ لاَ يَشْبَعُ مِنْ دَخْلٍ. هَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ» (الجامعة 5:10).

4- «أَكْرِمِ الرَّبَّ مِنْ مَالِكَ وَمِنْ كُلِّ بَاكُورَاتِ غَلَّتِكَ» (أمثال 9:3).

5- «انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ» (لوقا 15:12).

6- «قِنْيَةُ الْحِكْمَةِ كَمْ هِىَ خَيْرٌ مِنَ الذَّهَبِ، وَقِنْيَةُ الْفَهْمِ تُخْتَارُ عَلَى الْفِضَّةِ!» (أمثال 16:6).

7- «أَوْصِ الأَغْنِيَاءَ فِى الدَّهْرِ الْحَاضِرِ أنْ لاَ يَسْتَكْبِرُوا، وَلاَ يُلْقُوا رَجَاءَهُمْ عَلَى غَيْرِ يَقِينِيَّةِ الْغِنَى، بَلْ عَلَى اللهِ الْحَىِّ الَّذِى يَمْنَحُنَا كُلَّ شَىْءٍ بِغِنًى لِلتَّمَتُّعِ» (1 تيموثاوس 17:6).

8- «اَلْقَلِيلُ الَّذِى لِلصِّدِّيقِ خَيْرٌ مِنْ ثَرْوَةِ أَشْرَارٍ كَثِيرِينَ. لأَنَّ سَوَاعِدَ الأَشْرَارِ تَنْكَسِرُ، وَعَاضِدُ الصِّدِّيقِينَ الرَّبُّ» (مزمور 16:37-17).

9- «اَلصِّيتُ أَفْضَلُ مِنَ الْغِنَى الْعَظِيمِ، وَالنِّعْمَةُ الصَّالِحَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ» (أمثال 1:22).

10- «لاَ يَنْفَعُ الْغِنَى (الثروة) فِى يَوْمِ الدينونة، أَمَّا الْبِرُّ فَيُنَجِّى مِنَ الْمَوْتِ» (أمثال 4:11).

فليعطنا الرب أن نجتهد، وأن نشكر، ونكتفى، ونمجد الله العظيم الأبدى. له كل المجد، آمين.

أسقف الشباب العام

بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

Saturday, October 9, 2021

خدعوك فقالوا: موت جذع المخ ليس موتاً شرعياً - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 8/10/2021

 ظل رجال الدين فى مصر ومعهم بعض المتدروشين من الأطباء يثيرون قضية موت جذع المخ ليضعوا العصا فى عجلة القانون لمدة ربع قرن، يقولون ذلك وهم يرون فى عيد الأضحى قلب الخروف المذبوح ينبض ورأسه مفصول عن الجسد! ويصرون على أن هذا القلب النابض هو دليل حياة! وهو ما رفضه رجال دين مستنيرون، مثل عضو هيئة الإفتاء التابعة لوزارة الأوقاف الكويتية الدكتور عيسى زكى، الذى أوضح أن «مفهوم الموت قد تطوّرَ بين الأطباء والفقهاء عند بحث قضية الموت الدماغى، فتم التوصل إلى أنه إذا مات جذع الدماغ المسئول بدوره عن حركة القلب والرئة فقد أقر الفقهاء المعاصرون بأن هذه الحالة تعتبر وفاة شرعية، لأن هذا الجذع هو المسئول عن الحركة الإرادية للقلب والرئة، وإذا كان جذع الدماغ قد مات وبقى القلب والرئة فى التحرك عن طريق هذه الأجهزة المتصلة بها فهذه حركة الذبيح، وبالتالى الذبيحة ميتة لكنها قد تتحرك، وهذه الحركة لا تعتبر علامة حياة وإنما بقايا الأعصاب»، وتابع: «كلمة السر فى جذع الدماغ، وكانت هناك ندوة طويلة تبناها مركز العلوم الطبية بمستشفى الطب الإسلامى فى الكويت، وأخرى فى القاهرة وثالثة فى مجمع الفقه الإسلامى الدولى فى السعودية، وبعد نقاش طويل اتفق الفقهاء والأطباء على أن الفيصل هو جذع الدماغ، لأن الحركة التى تنتج بعد موت جذع المخ ليست حركة طبيعية وإنما حركة اصطناعية».

وأشار إلى «صدور فتاوى عن مجمع الفقه الإسلامى الدولى فى جدة والندوة العالمية لقضايا الطفل المعاصرة، وكذلك صدرت فتوى عن هيئة الإفتاء فى وزارة الأوقاف»، وقد أصدر بعدها د. صلاح سند، أستاذ طب النساء والتوليد بطب القاهرة، وهو على ثقافة دينية عميقة كتاباً عن الوفاة الإكلينيكية وخروج الروح، فند فيه كل الحجج الواهية المراوغة التى طرحها بعض المتدروشين، وقام بالرد على أسئلة ظنوها هم مفحمة ومنها:

السؤال الأول الذى يرد عليه د. صلاح هو: لماذا لا تنخفض درجة حرارة الجسم فى بعض حالات موت جذع المخ برغم أن مركز التحكم فى الحرارة يقع داخل المخ؟!! سؤال يبدو منطقياً ومفحماً، ولكن الكتاب يرد ببساطة بأن هناك وسائل أخرى معزولة عن المخ من الممكن أن يستعين بها الجسم لزيادة درجة الحرارة أو فقدها، مثل الغذاء حتى ولو عن طريق أنابيب ومحاليل، وأيضاً عن طريق زيادة إفراز بعض الهرمونات وبانقباض أو انبساط الأوعية الدموية.

أما السؤال الطبى الثانى الذى طرحه معارضو القانون فهو: كيف يستمر إفراز هرمونات الغدة النخامية وهى تستمد غذاءها من الدورة الدموية للمخ؟ كان الرد هو أن هذه الغدة لا تعمل فى كل حالات موت المخ، أما البعض الذى يعمل فلكونه يستمد غذاءه من دورة دموية بديلة تقع خارج الغشاء الخارجى للمخ، وهى تتسع لتعوض غياب الدورة الدموية الأساسية.

هناك سؤال يعتبره معارضو نقل الأعضاء وموت جذع المخ سؤالاً معجزاً، السؤال: لماذا يتم تخدير موتى المخ عند أخذ أعضاء منهم لنقلها لآخرين؟!! بحث المؤلف ونقب وخرج بإجابة مفحمة وشافية لغليل الباحثين عن الحقيقة فى هذا الموضوع الشائك، الإجابة هى أن التخدير شىء مختلف تماماً عن إفقاد الوعى، فمن ضمن مهام التخدير الأساسية إرخاء عضلات الجسم، وهو إجراء مطلوب فى حالة نقل الأعضاء لتخفيف توتر العضلات وتسهيل التعامل معها جراحياً، ومن المهم أيضاً إرخاء الأوعية الدموية، إذن الجراح لا يبحث عن إفقاد وعى من هو فاقد الوعى أصلاً، ولكنه يبحث عن جراحة أفضل فى وسط جراحى أنسب.


Friday, October 8, 2021

خدعوك فقالوا: القرنية حلال للدود حرام للأعمى - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 7/10/2021

 نحن أمة هوايتها اغتيال ذاتها وحرمان نفسها من السعادة والنعمة والفرح ومباهج الحياة، حتى لو قدّمها العلم لها على طبق من ذهب! فنحن نغنى لدود المقابر: خدوا عينى كلوا فيها وما تشوفوش يا مصريين بيها!! بكل عنترية وفخر أغلقنا بنوك العيون، ومنعنا الغلابة من زراعة القرنية، وبدلاً من أن تكون قوائم الانتظار فى مصر المنكوبة بعشرات الآلاف، صارت بمئات الآلاف والحمد لله على نعمة الحماقة! كل هذا من أجل فتاوى قيلت على مصطبة منذ عشرات السنين وما زلنا ندافع عنها، دفاعاً عن هستيريا نعيشها، وحياة نكرهها ولا ندافع عنها، أو نستمتع بها، ومقابر تشرع لنا، وجثث نذبح لها القرابين وأحياء نذبحهم راضين قانعين، بل فرحين مهللين، من أجل إعلام طبى مريض ليس فيه محرر علمى واحد يفهم التفاصيل، ويستطيع منح المعلومات للجمهور، من أجل التفاخر بنصب مقصلة يومية لأطباء مستشفيات جامعية فقيرة، يحاولون النفاذ من ثقب إبرة وسط هذا السيرك السيكوباتى المحتشد فيه السحرة والبهلوانات والقتلة والنصابون، والخاسر هو الغلبان فى النهاية، الذى لا حول له ولا قوة، ولا يملك من الحياة إلا الفتات، القرنية يا سادة هى نسيج وليست عضواً، من الممكن زرعها بعد توقف القلب بفترة، لذلك هى لم تدخل جدل وسفسطة مناقشات زراعة الأعضاء التى استهلكت ربع القرن من حياتنا، ولم يفعّل قانونها حتى هذه اللحظة، ذلك لأن أخذ نسيج القرنية من المتوفى مثله مثل قص الأظافر، يؤخذ بأسلوب جراحى دقيق، لإنقاذ مريض أعمى غلبان، لا يستطيع دفع عشرات الآلاف لاستيراد قرنية من الخارج وإجراء جراحة فى مستشفى خاص، تتميز القرنية، فضلاً عن أنها نسيج ليس به أوعية دموية، بأنها تؤخذ بعد الوفاة، وتوقف القلب تماماً كما قلنا، يعنى ببساطة لغط موت جذع المخ غير مطروح أصلاً، وزرعها هو أعلى معجزات عمليات الزرع قاطبة، وبها اقترب العلم من قصص المعجزات المقدّسة، تخيّلوا أعمى يبصر بعد العملية، أليست تلك معجزة منحها لنا العلم؟! لكن نحن الذين ما زلنا نحكم من المقابر ونمارس الزومبى على أنفسنا ونأكل لحمنا مثل مرضى متلازمة ليش نيهان! نحن ما زلنا نرفض هبات العلم، وأيضاً ما زلنا لا نفعل قوانيننا ونرفض كتابة موافق على التبرع على بطاقة الهوية أو رخصة القيادة، ما زلنا رافضين لهذا الإجراء البسيط، ممارسين لسياسة الأيادى المرتعشة، الحل بشكل عام هو موافقة مستنيرة من أى مريض فى أى مستشفى جامعى على مضاعفات أى إجراء جراحى أو طبى، ولا يتهاون الطبيب فى ذلك، وبشكل خاص إضافة خانة موافق أو رافض للتبرع على رخصة القيادة، وللتعامل مع ثقافتنا التى تعانى من هلاوس وضلالات سماسرة الموت وكلاء السماء الحصريين، تلك الثقافة الرافضة للتبرع، إذا كتب الشخص بأنه رافض للتبرع لا بد أن يعرف جيداً أنه سيُحرم من مميزات الزرع فى المستقبل إذا احتاجه، نحن نصف أنفسنا دائماً بأننا شعب متدين بطبعه ومحب لعمل الخير، لكننا ننكشف على أرض الواقع، وقانون زرع الأعضاء ومن قبله زرع نسيج القرنية هو خير دليل على أنانيتنا المفرطة وتخبطنا الكريه وعشوائيتنا المزمنة، فما زلنا أكبر سوق لنخاسة البشر من خلال تجارة الأعضاء، والسبب غياب تفعيل قانون زرع الأعضاء من الموتى، نبيع أكبادنا و«كِلياتنا»، لقاء صرة مال، لأننا نعانى من ثقافة متدنية وجهل مسيطر وكراهية علم مزمنة ووسواس عبادة جثث قهرى، نفضل أن يلتهمنا دود المقبرة ونتلاشى فى ترابها، عن أن ننير الطريق لأعمى، أو ننقذ شاباً من غيبوبة كبد، أو نرحم سيدة مسكينة من رحلة غسيل كلى، ممزوجة بملح الدم، ومغموسة فى صديد القهر، هل هناك أمل فى أن نفيق من غيبوبة الخرافة ونزرع عقلاً فى الجمجمة يُقدّر قيمة الحياة، ويعرف أنها تستحق العيش والحلم والجهد والحكمة.


هل اقتربنا من علاج «كورونا»؟ - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 6/10/2021

وصلتنى هذه الرسالة المهمة من أستاذى د. ناجى إسكندر، أستاذ الفسيولوجى، حول الدواء الجديد الذى تجرى تجاربه على علاج «كوفيد ١٩»، يقول د. ناجى:

أعلنت شركة «Merck and Ridgeback Biotherapeutics» ميرك الأمريكية عن اكتشافها لأول دواء يُعطى بالفم لعلاج مرضى «COVID19».

وتمت تسمية العقار «molnupiravir - مولنوبيرافير»، وقد وجد أن هذا العقار يقلل من احتمال دخول المستشفى والوفاة لمرضى «كوفيد 19» بنسبة 50%، وهى نسبة ممتازة وتمثل قفزة كبيرة واختراقاً مهماً فى معركتنا مع وباء «COVID19»، وستقلل من الضغط على المستشفيات، وذلك فى المناطق الأكثر تضرراً بوباء «كوفيد 19».

وهو أول عقار مضاد لفيروس «كوفيد 19» يعطى فى صورة أقراص بالفم لمدة نحو خمسة أيام، ويمكن إعطاؤها فى المنزل، ويتميز هذا العقار مقارنة بالأدوية الأخرى المضادة لفيروس «كوفيد 19» بأنه أعلى كفاءة، وتكلفته أقل، وذلك إلى جانب إمكانية إعطائه بالمنزل.

هوامش: عقار «رمديسيفير» المضاد للفيروس يعطى فى الوريد، وهو مرتفع التكلفة مقارنة بهذا العقار.

وقد أنهى عقار «مولنوبيرافير» المرحلة الثالثة الإكلينيكية وقد تم خلالها تجربته على 775 مريضاً وتم إعطاؤه لهم خلال الأيام الخمسة الأولى من ظهور الأعراض على هؤلاء المرضى، وبعد أن تم التأكد من تشخيصهم إيجابياً بالمسحة الأنفية لكونهم مرضى «COVID19»، وقد تمت تجربة العقار فى 170 موقعاً فى الولايات المتحدة والبرازيل وإيطاليا واليابان وأفريقيا الجنوبية وتايوان، وثبت نجاحه فى الحالات المبكرة الخفيفة والمتوسطة لمرضى «كوفيد 19» فى خفض احتمال دخولهم المستشفيات بنسبة 50%، وهؤلاء المرضى ممن تخطوا عمر 60 عاماً: هذا إلى جانب معاناتهم جميعاً من عامل آخر يمثل خطراً على حياتهم من جراء الإصابة بـ«كوفيد 19»، مثل السمنة أو مرض السكر أو أمراض القلب.

التأثير الإيجابى للعقار: ثبت فى هؤلاء المرضى أنه فى حالة إعطاء العقار مبكراً أنه وحتى اليوم التاسع والعشرين لم تحدث حالات وفاة واحدة بين من تلقوا العقار ودخل منهم المستشفى 7.3% فقط، وذلك مقارنة بـ14.1% من المجموعة التى لم تتلقّ المادة الفعالة للعقار وتلقوا المادة الوهمية، والذين دخلوا المستشفى، بل وتوفى ثمانية منهم من جراء الإصابة بـ«كوفيد 19».

طريقة العمل: لا يستهدف هذا العقار الأشواك البروتينية للفيروس التى تختلف فى تركيبها باختلاف المتحورات، ولكن هذا العقار يمنع كل متحورات الفيروس، ومنها المتحور الأهم والسائد عالمياً اليوم، وهو المتحور دلتا من استنساخ نفسه داخل الجسم البشرى عن طريق إدخال كود خاطئ للفيروس.

الآثار الجانبية للعقار: لم تحدث آثار جانبية مهمة، وساعد على ذلك قصر الفترة التى يحتاجها المريض لتلقى العقار، وفى العموم فقد حدثت الأعراض الجانبية فى 10% فقط من المتطوعين، واضطر 1.3% من المرضى الذين تلقوا المادة الفعالة إلى التوقف عن تلقِّى العقار وذلك مقارنة بنسبة 3.4% ممن تلقوا المادة الوهمية، وطلبوا التوقف عن الاستمرار فى تلقِّى العقار.

وقد طلبت شركة «ميرك» من منظمة الغذاء والدواء الأمريكية حق الاستخدام الطارئ للدواء، ووعدت حال موافقة المنظمة بإنتاج ما يكفى لاستخدام 10 ملايين مريض قبل نهاية عام 2021. وتعهدت بالتوسع فى إنتاجه العام المقبل فى أكثر من موقع على امتداد العالم، وعلى العمل على خفض تكلفته.

ملحوظة مهمة: هذا العقار لا يُغنى إطلاقاً عن تلقِّى اللقاحات، حيث إنه يخفض بنسبة 50% من احتمال دخول المستشفيات، وذلك فى حالة الإصابة بالمرض ولكنه لا يمنع الإصابة بالمرض، بينما اللقاحات تقلل فى الأصل من احتمال الإصابة بالمرض إلى نسبة الخمس مقارنة بمن لم يتلقوا اللقاحات الواقية من الإصابة بـ«كوفيد 19»، ويبقى احتمال دخول المستشفى والوفاة بين من لم يتلقوا اللقاح 11 ضعفاً مقارنة بمن تلقوا اللقاح.

كما أنه لوحظ أن أكثر من 90% من حالات الكوفيد التى ترقد الآن بالمستشفيات هى بين أشخاص لم يتلقوا اللقاح.

الخلاصة: هذا العقار لا يغنى إطلاقاً عن تلقى اللقاحات وهو يمثل إضافة فى المعركة ضد وباء «كوفيد 19» إلى جانب اللقاحات وليس أبداً بديلاً عنها.

Monday, October 4, 2021

خدعوك فقالوا: لا تتبرع لأن الجسد ملك لله - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 4/10/2021

 خرجت أصوات، وللأسف من داخل المؤسسة الدينية، بعد دعوتى لتفعيل قانون التبرع بالأعضاء، تقول وتكرر وتحكى فى المحكى نفس الأسطوانة المشروخة التى قيلت على لسان شيخ شهير فى الماضى، وعطّلت صدور القانون أكثر من ربع قرن، وهى أنك لا تستطيع أن توصى بأعضاء جسدك لأنها ليست ملكك، وأنه ليس من حقك التصرف فيها لأنها ملك لله! واختلط هذا الطرح باتهام من يتبنى الحملة ومن يعلن التبرع، بأنهم أناس باحثون عن الشهرة والتريند، وكأنه مطلع على النيات ومفتش فى الضمائر، نفس القسوة واللاإنسانية التى قيلت من قبل عندما قال رجل دين عمن يغسل الكلى «مايموت.. فيها إيه.. وليه تأخروا لقاءه بربه»، وبرغم أننى لا أحبذ عرض القضايا الطبية على رجال الدين وأفضّل عرض تلك القضايا من منطلق الطب الحديث القائم على الدليل، وأنه لا مكان لرجال الدين فى تلك القضايا، ولكنى أقول، حتى من نفس الأرضية الدينية لو سايرناهم، فكلام هؤلاء المعترضين وحججهم لا يصمد للمنطق وينهار عند أبسط نقاش، فالإنسان هو مالك أعضائه وله أن يتصرف فيها بما لا يضره ضرراً لا يحتمل إذ لا ضرر ولا ضرار، وأيضاً: إن كل شىء ملك لله «لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ» البقرة 284 «وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» المائدة 17، والمال كذلك مال الله ومع ذلك يقول الله تعالى «وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ» النور 33 «وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ» آل عمران 180، فالمال فضل الله ورزقه ومع ذلك نزكى بالمال ونتبرع به، فلماذا لا نتبرع بجزء من الجسم؟ ألم يجز العلماء إباحة التبرع بالدم، والدم جزء من الجسم؟، كما أن المرأة تتبرع بلبنها، فقد ترضع امرأة طفلاً لامرأة أخرى وهذا اللبن جزء منها، إضافة إلى ذلك لا يوجد دليل على التحريم، فالأصل فى الأشياء الإباحة ما لم يرد من النصوص ما يمنع، ونحن مأمورون أن ندفع قدر الله بقدر الله كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «إنما أفر من قدر الله إلى قدر الله»، وأين نحن من قوله تعالى «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا» المائدة 32، وقوله تعالى: «يُرِيدُ الله بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْر»، وهل الزائدة الدودية التى تُزال بالجراحة ليست ملكاً لله؟! فلماذا يزيلها الجراح؟ وهل ينتظر مريض الزائدة الدودية، التى لو انفجرت سيحدث تسمم بريتونى ووفاة، ينتظر رأى دار الإفتاء حتى يستخدم الجراح المشرط؟! ولماذا نفس رجل الدين تنتفخ عروقه مدافعاً عن ختان البنات، أليس البظر عضواً فى المرأة، والعضو ملك لله أيضاً؟! والسؤال: هل شيخ الأزهر الأسبق محمد سيد طنطاوى لم يكن على علم بتلك المعلومة، ولم يعرف أن الجسد ملك لله؟ إنه شيخ الأزهر الذى سبق وأعلن قبل وفاته تبرعه بقرنية عينه بعد وفاته، قال إنه يجوز نقل الأعضاء الآدمية من إنسان توفى حديثاً إلى آخر حى، ما دام ذلك يتم بطريقة سليمة وعن طريق التبرع، معتبراً أن هذا التبرع هو نوع من الإيثار المحمود والصدقة الجارية.

أتمنى أن يتنحى هؤلاء من قبيلة الكآبة والجهامة وناشرى ثقافة الموت عن التدخل فى شئون حياتنا، وكفانا تأخراً عن اللحاق بركب الحداثة والتقدم، الدين خُلق لسعادة البشر لا لتعاستهم.


Friday, October 1, 2021

نقل الأعضاء كلاكيت ألف مرة - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 30/9/2021

 اندهش الإعلامى أحمد موسى حين أخبرته فى حوارنا أمس الأول عن أن قانون نقل الأعضاء جاهز منذ أكثر من عشر سنوات وعليه موافقة برلمانية ولم يُفعل حتى هذه اللحظة! ظل يتساءل فين المشكلة؟ وأنا أتساءل معه فين المشكلة؟ ولماذا التأخير والتسويف؟ نحن فى الجمهورية الجديدة نقول وداعاً للأيدى المرتعشة للبعض الذين يخشون من لغط وهجوم التيار السلفى خوفاً من عرقلة ومنع تنفيذ القانون بحجة أنه مخالف للدين، ثلاثون عاماً من الجدل العقيم وليست صدفة أن أول مقال ينشر لى فى مجلة روزاليوسف كان عن نفس الموضوع!

كارثة ومصيبة أن نعود إلى المربع رقم واحد مرة أخرى فى لعبة السلم الطبى والثعبان الرجعى، سلم طبى يريد أن يصعد ويرتقى بالمهنة ويواكب العصر ويحترم إنجازات العلم، وثعبان رجعى متخلف يجرنا إلى الأسفل ويجرنا إلى دوامات نقاشات تستنزف العقول وتقتل الحماس فنعود إلى نقطة الصفر.

ظل القانون فى أدراج مجلس الشعب أكثر من ربع قرن، برغم أن زرع الكلى، على سبيل المثال، بدأ فى مصر فى منتصف السبعينات، على يد د. غنيم، وكنا الرواد فى المنطقة العربية والشرق الأوسط.

القانون فى الدرج رغبة فى راحة النافوخ واتقاءً لشر الألسنة التى تكفر كل من يفكر، دخلنا فى متاهة تعريف الموت وانزلقنا إلى حفرة لا قاع لها، حينما أحلنا قضية طبية محسومة صار الجدل فيها من الفولكلور التاريخى، أدخلنا الشيوخ ومعهم بعض الأطباء المتأخونين السلفيين وشلة من الإعلاميين الذين لا يفقهون شيئاً فى العلم إلى مغارة الشر وكهف الغربان والبوم وبيت جحا، الذى ظللنا تائهين فى ممراته لمدة خمس وعشرين سنة، نلوك عبارات نرددها كالببغاوات، أسطوانة مشروخة تردد طقطوقة مملة من عينة موت جذع المخ ليس موتاً شرعياً، الموت الشرعى هو انخساف الصدغين وتوقف القلب وتدلى الخصيتين... إلخ، الموت الإكلينيكى فظ اخترعته عصابة الاتجار بالبشر... إلى آخر هذا الكلام الذى لا يصمد لأى مناقشة من طالب فى تالتة طب!

تمكن منا هذا اللت والعجن المزمن حتى أصبح العالم كله ينقل الأعضاء من الميت إكلينيكياً إلى المريض الحى إلا نحن وأفغانستان! حتى السعودية التى فيها الكعبة ومهد الإسلام يتم فيها نقل الأعضاء من الموتى حديثاً ولديها قانون يبيح ذلك، وطبعاً الأردن حدِّث ولا حرج صارت رائدة وسبقتنا بمراحل، وأخيراً صدر القانون ولكنه موضوع فى الثلاجة، لا بد من التفعيل السريع قبل أن ندخل متاهة اللجاج اللزج واختراع العجلة.

البداية كما ذكرت فى البرنامج، لا بد لوزارة الداخلية أن تضيف فى رخصة القيادة كبداية عاجلة خانة موافق أو رافض لنقل أعضائك بعد الوفاة. ثانياً لا بد لوزارة الصحة من إصدار أو تفعيل البروتوكول المنظم لعلامات الموت الدماغى، وليكن مقصوراً على المستشفيات الخاضعة للدولة والتى تحددها وزارة الصحة، بروتوكول ليس لغرض نقل الأعضاء فقط ولكن لحسم مسألة استنزاف أهل المرضى الذين يظلون بالشهور على أجهزة التنفس الصناعى تائهين هم والأطباء قبلهم الذين ليس لديهم البروتوكول ولا القانون!

ثالثاً الإعلام لا بد أن يتوقف عن اللغط والبحث عن الإثارة وتنجيم الجهلاء، بحجة أنهم يدافعون عن الموت الشرعى.

يا سادة.. الجراحون الذين يزرعون فص الكبد الجزئى هم أول الناس الذين يعرفون أنه إجراء ملىء بالمشكلات، وأنه أساساً كان لزرع الكبد للأطفال وأنهم فى الخارج يفضلون نقل الكبد من المتوفى إكلينيكياً.

يا سادة.. جراحو القلب يصرخون: زرع القلب فى مصر معطل وميت إكلينيكياً ليس لضعف مهارات الجراحين ولكن لغياب التفعيل.

يا سادة.. تجارة الكلى فى مصر جعلتنا على رأس خريطة النخاسة البشرية بسبب عدم تنفيذ القانون، زرع القرنية الذى ينقذ من العمى يعانى من طابور انتظار يائس وبائس، ارحموا المرضى الذين يدقون الأبواب بدون جدوى ودمهم فى رقاب من أفتى بالتحريم ومن ضحى بالمراجع العلمية وغلب عليها الكتب الصفراء، العلم هو الذى أنقذكم وسينقذكم، هو طوق النجاة الوحيد شئتم أم أبيتم!