Translate

Sunday, September 13, 2020

راهنوا على قوة المرأة تكسبوا - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 9/2020 /12

 لم أندهش من أن التى أنقذت المجند من براثن الكمسارى الإخوانى هى امرأة بسيطة، سيدة مثل أمهاتنا الطيبات، ولم أندهش أيضاً من صمت وخرس وخذلان رجال القطار، الركاب أصحاب الشوارب، وحاملى هورمون التستوستيرون!!، فأنا دائماً أراهن على المرأة المصرية، فهى الأجدع والأكثر مبادرة والأسرع تفاعلاً والأعلى إحساساً، ولذلك ومن نفس الزاوية يراهن عليها الإخوان أيضاً ويريدون ضمها إلى جانبهم لاستخدامها كحصان طروادة للعودة وركوب البلد ودس سمومهم فى بئر أحلام الناس، فى ٣٠ يونيو كانت المرأة فى طليعة الصفوف، وكانت الأيقونة هى صورة سيدة مناضلة تصفع إخوانياً جذبها من شعرها وحاول دفعها بعيداً، وصورة أخرى لسيدة شجاعة واجهت ضابطاً ملتحياً من خلايا الإخوان النائمة صارخة فى وجهه أن الرجولة ليست باللحية وإذا كان يريد تعلم معانى الرجولة الحقيقية من كرامة وعزة نفس فليتعلمها منها، من تلك المرأة، انتبه الإخوان إلى تلك المعادلة السحرية المصرية، فجندوا ستات غلابة فى معسكرات رابعة، فى رهان على جسارتهن، ومحاولة صد جحافل ياسمينات وزهرات وتاءات تأنيث مصر اللاتى هتفن لـ٣٠ يونيو وخرجن لمواجهة خفافيش الظلام وضباع الإسلام السياسى، لم يجد الإخوان الذين قبلوا بل وشجعوا الفلاحات البسيطات على أن يقمن فى خيام داخل ميدان رابعة، وهم الذين زيفوا عقولنا وصدعوا أدمغتنا بعدم الاختلاط، لم يجدوا إلا السخرية من خروج المرأة ضد الإخوان، ووصفوا المتظاهرات بالراقصات، وبلسانهم العفيف الذى نعرفه جيداً من خلال قراءة صفحاتهم وتعليقاتهم، أطلقوا صفات العهر والدعارة على البنات الفضليات اللاتى خرجن فى ٣٠ يونيو، من يتخيل أن المرأة ضعيفة هو إنسان واهم وشخص مخدوع. «هاتوا لى راجل»، على رأى الداعية السلفى، يستطيع احتمال آلام الحمل والمخاض والولادة، الرجل لا يستطيع مواصلة الليل بالنهار فى رضاعة وتغيير بامبرز وتهدئة بكاء وصراخ ومتابعة مراحل نمو.. إلخ، راقبوا الفلاحة التى تحمل ابنها على كتفيها وفوق رأسها البلاص أو صفيحة المياه أو مشنة العيش أو حصيلة التموين، وتمشى عدة كيلومترات على هذا الوضع بدون تعب ولا كلل ولا ملل، اسألوا سيدات البيوت وحتى المرأة العاملة كيف تخرج من العمل ثم تطبخ الطعام وتنظف البيت وتوصل أولادها للدروس وتتابع مذاكرتهم ودروسهم، هل هناك رجل فى العالم يحتمل مثل هذا؟!، تابعوا المطلقات اللاتى لديهن أولاد، ٩٩٫٩٪ من الرجال يرفضون بقاء الأولاد معهم، وتتحمل الأم المطلقة كل الأعباء بكل حب وكل أمانة وكل قوة وكل إخلاص، المرأة يا سادة عمود خيمة البيت، وأقوى من الرجل، وأكثر احتمالاً، وعطفاً وتعاطفاً، لذلك يحاول الإخوان والسلفيون اختطافها ونزع كل أنوار البهجة والفرح والقوة من عقلها، وتحويلها لمجرد جارية أو سبية أو خدامة أو إكسسوار أو دمية جنسية، المرأة أكبر وأقوى وأعظم من كل تلك التفاهات وكل هذا التهميش والقمع، وقريباً ستتحرر من أفكار الفاشية الدينية التى أحياناً تدافع عنها بعض النسوة مغسولات الأدمغة على أنها أفكار ستوصلها للجنة التى ستكون فيها، حسب أقوال الدعاة الذين ينومونها مغناطيسياً، مجرد متفرجة فى قاعة انتظار حتى ينتهى زوجها من مضاجعة سبعين حورية، كل واحدة لها سبعون وصيفة، والمدهش أنهن فى منتهى السعادة بهذا المصير، بل وتؤسس بعضهن جمعيات لتشجيع تعدد الزوجات!!، يا بنت مصر اكتشفى طاقاتك المدفونة تحت ركام التقاليد التى تعفنت وقتلت أجمل ما لديك، أنت فراشة البهجة والفرح فى حياتنا، فلا تتركى الضباع يفرضون قانون غابتهم ويقصقصون جناحيك ويسودون ألوان تألقك وإبداعك.


Friday, September 11, 2020

د. وسيم السيسى يكتب: .. ومن أنوارهم قبست أثينا! ١٢/ ٩/ ٢٠٢٠ - المصري اليوم

 

بدعوة كريمة من الدكتور محمود مبروك، مدير متحف الحضارة بعين الصيرة، لزيارة المتحف الذى ستُنقل إليه مومياوات الملوك والملكات من المتحف المصرى لهذا المتحف العظيم، أخبرنى أن السيد الرئيس حوّل عين الصيرة إلى قطعة من باريس تمهيداً لافتتاح المتحف وسط ملوك ورؤساء الدول الأجنبية من العالم كله، وقد شاهدت ذلك بنفسى. حدثنى الدكتور مبروك، هذا الإنسان الجميل الممتلئ حباً وعلماً لحضارتنا العظيمة، عن أحد رؤساء الوزارة السابقين كيف لم يصدق أن هذا النسيج الكتانى الحريرى الذى تستطيع أن ترى من خلاله لأنه شفاف، أنه صناعة مصرية قديمة من قبل الميلاد بآلاف السنين، ولما تأكد من ذلك حوّل له مليار جنيه لاستكمال بناء وإعداد المتحف! قلت للدكتور مبروك: لا أستكثر على أى إنسان الذهول، فقد ذُهلت فى المتروبوليتان فى نيويورك حين شاهدت نفس هذا النسيج الذى لا يفترق عن الحرير الطبيعى فى شىء.

تجولنا فى المتحف.. دكتور مبروك، دكتورة سهير السكرى، لواء خالد سالم، دكتورة فاطمة بكار، وباقى الموظفين، روعة.. عظمة.. ينقصنا سماعات وتسجيل عن أى شىء نراه: الحياة اليومية.. الحسابات.. الآلات الجراحية.. الخبز وأنواعه... إلخ.

وصلتنى رسالة مهمة جداً من دكتور مهندس داوود خليل مسيحة، ابن عالم الآثار الأستاذ الدكتور خليل مسيحة، مكتشف نموذج الطائرة الشراعية، وقد كان المعروف عنه أنه تمثال خشبى لطائر، جدير بالذكر أن ألمانيا صنعت طائرة شراعية بنفس مقاييس التمثال فطارت، ولدىّ فيديو عن هذه التجربة الألمانية، كما أنه مكتشف آله التربنة وغير المعروف مكانها الآن، رسالة الدكتور داوود تنبه إلى كارثة محتملة الحدوث ما لم نأخذ حذرنا منها، يقول: إن نقل الآثار المصرية من المتحف المصرى بالتحرير للمتحف الجديد الكبير دون إعلان للمهتمين بعلم المصريات شرقاً وغرباً، إنما هو كارثة، ذلك لأن كل أثر مسجل برقم تسجيل خاص، وهذا الرقم متعارف عليه بين كل دارسى الآثار فى العالم، ويتم تعريف الأثر به فى كل المراجع والدراسات والكتب فى كل جامعات العالم، ولا يمكن للباحثين الوصول إليه بسهولة إلا بعد إصدار كتالوج جديد للمتحف الكبير يتوافر فيه الرقم القديم المعروف والرقم الجديد، والغريب أن هذا الأمر لا يتحدث عنه المهتمون بالآثار بالرغم من أنه كارثة. انتهى كلام د. داوود مسيحة.

كنت فى زيارة للمتحف البريطانى، شاهدت صندوقاً زجاجياً به جمجمة أجريت لها عملية تربنة TREPHINE، والمريض عاش لأن قشرة العظام كست حوافى الدائرة، وكان مكتوباً على الصندوق: أول جراحة مخ فى التاريخ منذ أربعة آلاف سنة! كانت أمامى سيدتان، سألت واحدة: أين كنا منذ أربعة آلاف سنة؟

ردت عليها: IN THE CAVES، أى فى الكهوف! كانت آلة التربنة التى اكتشفها دكتور خليل مسيحة: Convex Scraper With a Wide Radius.

له حق أمير الشعراء أن يقول: مشت بمنارهم فى الأرض روما.. ومن أنوارهم قبست أثينا!. وعمار يا مصر.


خرافة الإعجاز العلمى فى غزوة ١١ سبتمبر - جريدة الوطن - 9/2020 /11

 هل تريدون معرفة كيف يمكن أن يلغى الفكر المتسلف الوهابى العقل ويمسح ويمسخ المخ ويزيف الوعى ويغيب المنطق وإلى أى درجة؟، اقرأوا ما كان يردّده عشرات الملايين من المغيبين الذين كانوا يصفون بشماتة وفرح ١١ سبتمبر بأنه إعجاز علمى ورقمى رهيب!!، برغم الدماء النازفة والأشلاء المبتورة والبطون المبقورة والنار والدخان والدمار والخراب والأنقاض، كان هناك من يمسكون بالآلة الحاسبة لتلفيق الإعجازات العلمية لتلك الجريمة البربرية التى نفّذها 19 إرهابياً لم يشفع لهم تعليمهم العالى ولا أموالهم الطائلة فى صناعة بنى آدمين غير معقدين نفسياً، تخيلوا كان فيه ناس مصدقة هذه التخاريف والهلاوس؟!!، اقرأوا الإعجاز فى غزوة مانهاتن وردود بعض المفنّدين العقلاء المنشورة وقتها من أصحاب المنطق الذين لم يخشوا التكفير، واحترموا عقولهم، وكتبوا ولم يجاروا الموضة الإعجازية المخدرة لعقول المسلمين، والتى جعلتهم يعيشون وهماً وزيفاً اسمه نحن أصحاب الإعجاز، والآن إلى الإعجاز وتفنيده وتكذيبه:

رقم سورة التوبة فى القرآن:

هل هو رقم (9) كما يقولون؟ الذى يشير إلى الشهر الذى حدث فيه الانهيار وهو شهر سبتمبر؟

الرد:

1 - ترتيب القرآن الحالى الذى تحتل فيه هذه الآية الرقم (9) ليس ترتيباً إلهياً بحسب تاريخ نزول الوحى على النبى.

2 - ترتيب نزول السور يختلف عن وجودها الحالى بالقرآن، فالترتيب الحالى هو من وضع عثمان ابن عفان، والترتيب ليس إعجازاً.

3 - ترتيب القرآن الحالى تتدخل فيه أشياء لا علاقة لها بالإعجاز، مثل الترتيب مثلاً بطول الآيات وقصرها وليس حسب ترتيب نزولها.

ثانياً:

هل هذه الآية تقع فى الجزء 11 من أجزاء القرآن حقاً؟

هذا الكلام غير صحيح، هناك اختلافات عديدة حول الجزء الذى تقع فيه:

1 - بحسب ترتيب السيوطى، حيث إن ترتيبها (28)، فيكون موقعها فى الجزء (20).

2 - وحسب ترتيب ابن العباس، حيث ترتيبها (109)، وابن جعفر حيث ترتيبها (112)، والخازن، ومصحف فؤاد، حيث ترتيبها فيها (113) وترتيب عكرمة ومجمع البيان حيث ترتيبها (114)، فيكون موقعها فى الجزء (30).

والواقع أن النبى لم يذكر ترتيبها قبل أن يموت، لهذا لا يمكن تحديد الجزء الذى تقع فيه.

حتى لو افترضنا أن الترتيب صحيح رقم ١١ فيكون الإعجاز هنا لعثمان ابن عفان، لأنه هو الذى وضعها فى هذا الترتيب وليس النبى!!!.

ثالثاً:

من ضمن الافتكاسات الإعجازية للمغيبين أن عدد كلمات هذه السورة هو 2001 كلمة، وهذا يشير إلى سنة الانهيار.

والواقع أنه بكتابة هذه السورة على الكمبيوتر، ومن خلال Word counting، وُجد أن عدد كلمات السورة هو 2655 كلمة!!! لذلك انتظروا إلى عام 2655 وفجّروا برجين تانيين حتى يتحقق الإعجاز!!!!

رابعاً:

فى الآية 109 توجد كلمتا: «جُرُفٍ هارٍ»، وهى تشير إلى اسم الشارع الذى كان فيه البرجان!.

الرد:

بالعودة إلى الآية ذاتها فى سورة التوبة، لنعرف معنى [جرف هار].

يقول الإمام النسفى: [أى من أسّس بنيان دينه على الباطل والنفاق الذى مثله مثل شفا جرف هار فى قلة الثبات والاستمساك. وشفا بمعنى الحرف، والجرف بمعنى الوادى، وهارٍ بمعنى المتصدع].

وبالرجوع إلى موقع البرجين، وبالبحث والتقصى وجدنا أن الشوارع الأربعة المحيطة بالبرجين ليس فيها هذا الاسم على الإطلاق، وإنما هى: من الشمال شارع Vesery Street، ومن الجنوب شارع Liberty Street، ومن الشرق Church Street، ومن الغرب West Street، وسنحاول البحث عنه ثانية حتى لا يغضب أصحاب الإعجاز.

للأسف حين يقدّس الإنسان جهله ويتعصب لخرافاته تكون قمة المأساة.


لقاء مع زكى نجيب محمود (٣) - جريدة الوطن - 9/2020 /10

 كان وجود السفارة الإسرائيلية بجانب العمارة التى يسكن فيها د. زكى يمثل مانعاً «بارليفياً» بالنسبة لنا يمنعنا من زيارته، حكيت له عن تخوفاتى فى التليفون، فتحدث إلى الضباط بأن يسهلوا مأموريتنا، فكان صعودنا إلى شقته سلساً وسهلاً، لفت انتباهى للمرة الثانية تعامل زوجة د. زكى معه بمنتهى الاحترام الذى يقترب من التقديس، بينما يصافحنا د. زكى، كنت أتأمله، هذا الرأس الذى يضم عقلاً تحليلياً جباراً، كنت أحس أن الجلد مشدود من فرط نشاط المخ وتوقده، الشرايين مرسومة وكأنها مجرى نهر وفروعه، كنت أحس أن النبضات العصبية لكهارب تعرجات القابع داخل هذه الجمجمة السحرية، تقفز إلى الخارج لتضىء المكان، نظارته السميكة بدوائرها التى تشبه العاصفة تخفى وراءها عينين فضوليتين لا تكفان عن السؤال، بحة صوته المجروح تحس معها أنه ظل يصرخ طيلة حياته «أنقذوا العقل العربى» بلا جدوى، كنت قد رتبت ألا يمتد اللقاء أكثر من ساعة لعدم إرهاقه، ولكنه امتد إلى خمس ساعات، تحدث فيها وكأنه شاب فى العشرينات، لم يكترث بأن حواره لن ينشر فى مجلة حائط لن تصدر، شرح لنا ما معنى كلمة فلسفة، وكيف أن الفلسفة أم العلوم، وكيف أنها مهمة للطبيب أن يفكر بطريقة فلسفية، تحدث إلينا عن الفرق بين العلم التجريبى والاستنباطى، وما هى الوضعية المنطقية واهتمامه بضبط المصطلحات، شرح لنا تعريف العلم والشك والتفكير النقدى ووظيفة اللغة التى نستعملها فقط فى الزركشة والتلاعب البلاغى، ما هو التراث وكيف نتعامل معه نقدياً غير مستلبين أو منومين أو مخدرين، وكيف أن هناك مناطق مضيئة فى تاريخنا الإسلامى مسكوت عنها لصالح مناطق أخرى مظلمة، سبحنا معه فى خضم محيط الفلسفة الواسع، كان يتعمد ألا نكون تلامذة فى رواق أو مجاورين بجانب عمود، بل مشاركين فى حوار، كنا بالرغم من صمتنا وانبهارنا، كانت كل دقيقة بسؤال يلمع فى أذهاننا، يتشكل ويتمرد، لم يتقمص دور الواعظ، بل كان المزعج الجميل، الذى يزعج كل ما هو كسول فينا، سألنا هل ندرس فى الكلية تاريخ الطب؟ ماذا كان وراء هذا الاكتشاف أو ذلك العلاج؟ كيف تولد السؤال فى مخ باستير أو كوخ أو فلمينج؟ كانت الإجابة لا، نحن ندرس الجسد البشرى وأمراضه ولا نهتم بما هو فى الكواليس، نحن نهتم بما ينفعنا فى الامتحان ولا يخذلنا أمام ورقة الاختبار أو فى الشفوى، خجلنا من أنه يعرف عن عمالقة فن وعلم الطب أضعاف أضعاف ما نعرف، تأكدنا أننا نُلقن لا نُعلّم. غادرت سكن د. زكى نجيب محمود وهو يسكننى ولم يغادرنى، زرع فىّ فضيلة السؤال والشك، بدأت أعرض كل ما يمر أمامى على شاشة العقل وأقيسه بترمومتر النقد وأضبطه ببوصلة الدحض والتفنيد، تأكدت أنه لا قارب نجاة إلا العلم، وأن اجترار الماضى وتقديسه وتوثينه هو أكبر جلطة أصابت العقل العربى بالشلل وعطلت حواسه وسدت كل شرايين التقدم فيه، وعندما أدخل المكتبات الآن ولا أجد كتب د. زكى نجيب محمود، وأسمع أنها لم تطبع ثانية منذ ربع قرن إلا صدفة، كتاب هنا أو مقالة هناك، أعرف حينها لماذا صار مزاجنا سلفياً خرافياً كارهاً للعلم غارقاً فى الأوهام والهلاوس والضلالات.


Thursday, September 10, 2020

لقاء مع زكي نجيب محمود (2) - جريدة الوطن - 9/2020 /9

 فى ظل الجو المحبط لسيطرة الجماعة الإسلامية على كلية الطب، واستقطابها لعدد كبير من الطلبة، سواء من خلال غسيل الدماغ فى لقاءات المسجد أو خطب الوعظ فى المدرجات ما بين المحاضرات، أو إقناع الطالبات بالحجاب والنقاب، أو طباعة المذكرات المختصرة فى الفسيولوجى والباثولوجى.. إلخ، كان المتنفس التنويرى الوحيد فى الصحافة والذى كان ما زال يتمتع بتأثير وبصمة، هو الصفحة التى كان يكتبها كتاب الدور السادس فى الأهرام من العمالقة، أمثال توفيق الحكيم ويوسف إدريس ولويس عوض، وكنت شخصياً أجد أن عقلى يستفز وتتلاطم فيه أمواج الأسئلة مع مقال د. زكى نجيب محمود بالذات، بالرغم من دسامة المقال وطوله فقد كان يحتل الصفحة كلها، وبالرغم من اختياراته الفلسفية العميقة، فإننى بعد قراءة مقاله أحس بأن مصابيح الدنيا قد زرعت فى خلايا مخى، أقنعت أصدقائى أننا ولا بد أن نقابل د. زكى لإجراء حوار معه، سخر الأصدقاء من فكرتى المجنونة، وضحك أحدهم متسائلاً «هو هيقابل شوية عيال صعاليك زينا؟!»، حاولت إقناعهم بأنه يقابل طلبته بعد المحاضرة ويظل يجيب عن أسئلتهم وما استغلق عليهم فهمه، فكان الرد «دول الطلبة بتوعه، لكن إيه اللى هيخليه يقابل طلبة طب؟»، قلت لهم: «نحاول».

وذهبت لكلية آداب القاهرة وقابلت بعض طلاب قسم الفلسفة هناك، واكتشفت أن تليفون د. زكى نجيب متاح وموجود مع الطلبة وحتى الساعى!، تشجعت وطلبت رقمه من خلال تليفون الكافيتيريا فلم نكن قد دخلنا فى عصر الموبايل بعد، تجمع حولى أصدقائى لكى يروا لحظات خذلانى على الهواء مباشرة، رن جرس التليفون وسرعان ما رد علىّ صوت نسائى رقيق، عرفت فيما بعد أنها زوجته وزميلته وتلميذته د. منيرة حلمى. «د. زكى موجود».. «حضرتك مين؟» «فلان الفلانى.. طالب فى طب القاهرة»، قلتها وكأننى أخبرها أن وزير الصحة على الخط!!، «دكتور زكى.. تليفون»، حتى فى البيت تعترف له بالأستاذية؟، لا تستطيع أن تناديه باسمه مجرداً من الألقاب، عرفت فيما بعد أنه لم يفرض عليها هذا، لكن لأنه خلق لكى يكون معلماً وأستاذاً فلن تستطيع وبمنتهى العفوية فى حضرته إلا أن تستحضر تلك الأستاذية، أخبرته برغبتى أنا وزملائى فى لقائه وعمل حوار، رد فوراً وبمنتهى التواضع: «تحت أمرك يا ابنى بكل ممنونية»، كان سؤاله الوحيد «هتنزلوا الحوار فى أى مجلة؟»، كنت خائفاً من إخباره بالحقيقة، فمن الممكن أن يتصور أنها لروزاليوسف مثلاً أو لمجلة ثقافية مرموقة، وعندما أخبرته أنها لمجلة حائط، لم يتردد لحظة، حدد لنا الميعاد، ولكن فى أثناء شرحه لعنوان منزله، كانت القنبلة: «بيتى عند كوبرى الجامعة.. جنب السفارة الإسرائيلية»!!!، هبطت علىّ الجملة كالصاعقة، كيف سأخترق كل تلك الحواجز الأمنية التى كنت أراها كل يوم فى مشوارى للكلية، الشارع هو فى حالة استعداد لحرب وليست مجرد إجراءات أمنية، كيف سنصل إلى الأستاذ؟ هل نعتذر؟ قال أحد الأصدقاء بكل ثقة: «أخويا نقيب فى قسم الدقى، ممكن يساعدنا»!!، كانت سذاجتنا الشرطية البوليسية قد بلغت هذا الحد المزرى،كنا مجموعة نكرات تحاول أن تلمس النجوم، لكن د. زكى نجيب كان له رأى آخر.


Tuesday, September 8, 2020

د. مصطفى حجازى يكتب: كيف تنتحر الشعوب؟ ٩/ ٩/ ٢٠٢٠ - المصري اليوم

 

حسنا أن يجىء الخطاب الرسمى للدولة منتصرًا للقانون فى قضية تجريف الأرض الزراعية ونحر المصريين مصدر غذائهم بفعلهم الأقرب للجنون والانتحار.

قبل عشر سنوات - فى عام ٢٠١٠ - سألت شخصًا أعرفه يقطن إحدى قرى الدلتا عما يجرى من تجريف فى قريته.. كان الرد حاضرًا متحفزًا ومتحديًا عن كونه اضطرارا لا اختيارا.. اضطرار لتغطية احتياجه وأسرته للتوسع السكنى لتخلى الدولة عنهم وكما قال حينها!.

ولكن حين ربطنا بين العوز السكنى وقضية أمن الغذاء، وبين احتياجه الشخصى وقضية وطنه الكبرى - والتى هى بالضرورة قضيته أيضًا - بدا منصتًا بعد أن وجد ذلك المنطق طريقًا إلى عقله.

قد يكون سلوك مواطننا هذا قد تغير فلم يجرف أرضًا من حينها.. قد تكون تذكرته بالقضايا الكبرى قد حضرت وإن لم تثمر.. قد يكون منطق الربط بين العام والخاص قد وقر فى قلبه فأورثه نفسًا لوامة لا تقبل على التخريب فى المجال العام دون مراجعة أو محاسبة أو استدراك.. وقد يكون قد خضع أمام الموجة الجارفة فى قريته من شيوع باطل نحر الأرض - والتى يحسب البعض أن قوة شيوع الباطل تحيله حقًا - المهم أن مواطننا قد سمع وفهم وتحاور وقرر.

فى ذاك الحين من نهاية العقد الماضى - وكأحيان أخرى - كانت سطوة القهر حاضرة بقدر غياب القانون، وكان قمع الحريات العامة لمواطننا ومن مثله فى إحدى أكثر صوره شططًا.. ولكن لا القهر حاصر فسادًا أو قمعه، ولا التضييق ردع متجاوزًا أو حفظ أرضًا.

بل لا نبالغ إذا قلنا إن القهر والتضييق كلُ قد رعى الفساد ورسخه، فى وقت كانت ماكينة الرشى السياسية والرشى المجتمعية تدور للإلهاء أو التدجين أو تأليف الجيوب قبل القلوب.. وليصبح الحكم بالفوضى لا حكم الفوضى هو المنهج.. ثمنا باهظًا ليوم أو بعض يوم فى سلطة.

فوضى أسلمتنا إلى عشوائية مطبقة لم نملك منها فكاكًا.. وعشوائية أسلمتنا إلى ركاكة والتى بها ننتحر كل يوم أمةً ووطنًا ودولةً.. والبينة على رؤوس الإشهاد!.

ركاكةً ليست فقط فى قصور إتقان التعبير عن الذات.. ولكنها ركاكة تملكتنا فى الفكر والفعل قبل القول.. فإن كانت البلاغة فى الفكر إبداعه وسعته وعمقه ورشادته ونهمه بالجديد وإقراره بقصوره ما لم يطاول سماوات جديدة كل يوم.. فما ألم بنا من ركاكة فكر جاء فى محدوديته وسطحيته وانكفائه واكتفائه وبَلَادة شغفه واستغنائه عن نهم المعرفة بدعوى تمام الإحاطة.. وإن كانت البلاغة فى الفعل إتقانه وتميزه وتفرده.. فما أصابنا من ركاكة فعل جاء فى ترهله وتدنى جودته وتعثر استدامته.

أما البينة.. مسخ إرثنا الثقافى وتبديد نسيجنا الاجتماعى وتجريف مقدراتنا الاقتصادية فى أرض زراعية وغيرها.. والأنكى طمس لما كان يومًا هوية وتضييعا لملامح رقى كنا ننعم فيه قبل أن تباهى به.. ونسكن فى كنفه قبل أن يؤمننا بقوته الناعمة فى إقليمنا والعالم!.

ما يحمى المجتمعات من التحلل والانهيار - بل الانتحار - ليس الخوف من عدو أو الخوف فى مطلقه.. ما يحميها هو منطق ضرورة العيش المشترك والاستفادة من ثمر العيش المشترك بعدل وحرية.. ولن يعى منطق إلا من وعى وتحرر واختار.

يقال فقهًا إن الحرية مقدمة على الدين.. لأن فى أهلية الاختيار استدامة الإيمان وصلاح الدين.. أما التبعية العمياء والعقول المنمطة - التى تنقل دون أن تعى أو تفقه - فآثار دمارها وخرابها هى ما نحياه فى بلادنا عربًا ومسلمين فى شرق وغرب تراجعًا وهوانًا وانتحارًا بالجهل قبل العنف.

المنهج الإلهى الأعلى والأسمى فى دعوة الناس للإيمان يبرأ من الإخضاع والإجبار «إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ».. آثر الخالق لخلقه النجاة بالعقل والاختيار.. شاء سبحانه أن يكون «المنطق» أولى من القهر.. لأن فى الوعى والاختيار ضمان نجاعة الفعل، إيمانا كان أو غير إيمان.

إن كان الأمر كذلك فى شأن الدين وتشريعه السماوى أن يأتى الامتثال له طوعًا وقناعة مع وجود الردع من المخالفة على أرضية الاختيار.. فليس أصلح من ذلك فى شأن المجتمعات والامتثال لقوانينها المنظمة.

القوة ليست بالعتاد وحده والردع ليس بالخوف وحده والاستقامة لن تكون من أجل القانون وحده.. القوة فكر وإبداع وقدرة على القيادة وتمكين للأهلية ومغادرة للركاكة والعشوائية فى ذلك كله.

إن استعادة معنى القانون فى المجتمع روحًا ونصًا وعدلًا أمر لا يمكن أن يتأخر أكثر من ذلك.. وإنفاذ القانون عقلًا وردعًا وعقابًا أمر لن يخشاه إلا فاسد.. ولكن تبقى خطوة إحياء معنى القانون ضرورة وليست بكفاية.. فلن يديم الاستقامة على الجادة - بل يمنع المجتمع من الانتحار - إلا منطق عاقل يفهمه الناس ويقبلون به ويفعلونه.

الردع بالخوف وحده لن يورث استقامة.. وسيف القانون دون خلفية من قناعة ورجاء لفائدة وعدل إثابة وأمل فى غدٍ أفضل، لا فاعلية لدوره ولا استدامة لأثره!.

مرة أخرى.. حسنا أن يكون خطابنا «دولة ومجتمعًا» منتصرًا للقانون.. ولكن آن لنا أن تكون إرادتنا وتوجهنا قبل خطابنا منتصرين للمنطق ومقتضياته.

إنقاذ المنطق قبل إنقاذ الأرض يا سادة.. ففيه إنقاذ الأرض وأهل الارض!.

فَكِّرُوا تَصِّحُوا..


Monday, September 7, 2020

الصدفة فى مستقبل الإنسان والأمم بقلم د. محمد أبوالغار ٨/ ٩/ ٢٠٢٠ - المصري اليوم

 

الإنسان له عقل وقدرة على التنظيم وقراءة المستقبل والتخطيط، وحسب اختلاف القدرات والملكات والظروف والخلفية والتعليم يتحقق بعض ما يريده الإنسان ولا يتحقق أغلبه. هناك أشياء غير محسوبة وغير مدبرة ينظمها القدر أو الظروف، بعضها بسيط للغاية ولكنها قد تغير مجرى حياة إنسان. فأنت قد تقابل شخصاً بالصدفة ينتهى بأن تصبح شريكه فى عمل يستمر بنجاح طول العمر، أو تقابل شخصا آخر وينتهى الأمر بكوارث وأحياناً أخرى قد تنتهى المقابلة بزواج ناجح وبهيج أو زواج فاشل. كلنا يتذكر أحداثا بسيطة كانت لها تداعيات كبيرة. أذكر حادثا كان من الممكن أن يغير مجرى حياتى، وأنا فى السنة الأولى الثانوية وكان عمرى ١٣ عاماً، فى الإبراهيمية الثانوية، اقترب منى فى الفسحة طالب يبدو أن عمره قد قارب العشرين عاماً، وكان من الطلبة المخضرمين الذين يرسبون مرات كثيرة، ودعانى للصلاة فى الزاوية الصغيرة «الحوش»، وقال لى إنه علم أننى طالب مجتهد ونشيط ورياضى ومن الأوائل، فقلت له ثم ماذا؟ فأجاب: ولكن ينقصك أمر مهم، فلا يبدو أنك متدين بما فيه الكفاية، وعندما تصلى معنا سوف نعلمك ما لا تعرفه عن دينك، فأجبته قائلا: سوف أفكر فى الأمر.

وتكرر الضغط، حتى ذهبت إلى الزاوية وقمت بأداء الصلاة مع المجموعة الصغيرة المتواجدة، وبعدها قال لى: فلنجلس قليلاً لنتحدث، وفى دقائق وضحت الرؤيا، فهو يريد ضمى إلى جماعة الإخوان، وبدأوا يتكلمون عن نظام الأسر وأننى أحتاج لفترة من التدريب، والكلام كان بسيطاً وسلساً، ولأنه كان عندى مخزون ثقافى من عائلة مدنية تحب الأدب والفن، فلم يجذبنى ما قيل، خاصة بعد أن طلبوا أن يبقى هذا الحديث سراً. ودهشت، فلماذا السرية، وبعد ٣ أسابيع حدث فى مصر زلزال سياسى انتهى بأن تم القبض على الإخوان لخلاف بينهم وبين عبد الناصر، واختفى هذا الطالب، ونسيت الموضوع.

بعد انتخابات البرلمان التى فاز فيها الإخوان بعد ثورة ٢٥ يناير، قابلت على جانب أحد الاجتماعات السياسية أحد زعماء الإخوان الكبار من الإسكندرية، وعرفنى بنفسه وسألنى مباشرة: لماذا أنا ضد الإخوان؟، فعددت له أسبابى وحكيت له حكاية محاولة تجنيدى فى سن المراهقة، فكان سعيداً جداً بالحكاية ومبتسماً، وسألته: لماذا أنت مبسوط جداً بالرغم من أنكم فشلتم فى تجنيدى؟ فقال: نحن كان عندنا نظر لأننا اخترناك وتوسمنا فيك عضواً مهماً، وأنت لم يكن عندك نظر لأنك رفضت الانضمام لجانب الحق والمستقبل، ولو كنت استجبت لكنت الآن عضواً فى مكتب الإرشاد، وقلت لنفسى إنه ربما تغيرت حياة ومستقبل كثيرين بعد نجاح مقابلات فى حوش المدرسة مماثلة للتى فشلت معى.

الفنان تأتى إليه فرصة قد تجعله نجماً كبيراً إذا كان مستعداً، وبذل جهداً فى تثقيف وتدريب نفسه، وكان نشطاً وملتزماً ولبقاً ومحترماً لنفسه ولمهنته. هناك فنان غير جاهز لاستغلال الفرصة ويظل يندب حظه.

الصدفة قد تغير مسيرة حياة إنسان، ولكن هل يمكن أن تغير الصدفة مصير أمة؟ هل كان ظهور هتلر فى ألمانيا صدفة؟ لا أعتقد أن الصدفة ممكن أن تغير مصائر الأمم كالأفراد. ألمانيا خرجت مهزومة من الحرب العالمية الأولى وفُرضت عليها شروط قاسية فى اتفاقية الهدنة وكان الغضب عارماً بين الشعب. البيئة والظروف كانت مناسبة لظهور هتلر الذى استطاع أن يكسب أنصاراً وأن يقهر كلا من معارضيه. وكانت العقدة الألمانية التاريخية واضحة وعالية النبرة فى ذلك الوقت.

يقول الألمان: «نحن شعب عظيم ونشيط ومبتكر فلماذا تسيطر بريطانيا وفرنسا على معظم العالم ونحن لا نسيطر على شىء؟»، واندلعت الحرب التى دمرت العالم. ألمانيا كانت مهيئة لظهور هتلر، وإذا لم يكن هناك هتلر لظهر هتلر آخر ربما يكون أقل بشاعة.

ترامب نجح فى انتخابات أمريكا كما نجح هتلر فى ألمانيا، بسبب ظروف الكراهية الشديدة لهيلارى كلينتون، ولو كانت أمريكا نظامها يسمح بأن يستولى الرئيس على السلطات ويفعل ما يشاء لفعلها ترامب، ولكن الديمقراطية وحرية الصحافة واستقلال كل من السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية منع ما حدث فى ألمانيا أن يحدث فى أمريكا.

هناك صدف تؤثر فى الدول، فمثلاً أن يُكتشف فجأة بترول أو غاز أو ذهب بكميات كبيرة فى بلد ما ستحول هذه الدولة إلى دولة غنية، والثروة سوف تؤدى إلى النفوذ والقوة والسيطرة فى الداخل والتطلع إلى النفوذ فى الخارج، ولكن هذه الثروات الطبيعية وقتها محدود بفترة زمنية مهما طالت فهى لحظة فى تاريخ البشرية.

هناك من تأتى له بالمصادفة فرصة للظهور والقيادة، أو إدارة عمل فيستغلها، وهناك من لا يرى الفرص ويتركها تمر أمامه. الفرصة والحظ والمصادفة أمر مهم فى تاريخ الإنسان وتاريخ الأمم، والإنسان الذكى الموهوب هو الذى يلتقط الفرصة ويتقدم بها إلى الأمام، ونفس الأمر ينطبق على الدول، فالزعيم أو الحزب ذو النظرة الثاقبة هو الذى يرى طريق التقدم والازدهار، والزعيم أو الحزب محدود الأفق والذكاء يختار طريق الانحدار.

الفرصة إذن قد تغير مصير إنسان، ولكن الصدفة التى تجعل الإنسان يحقق نجاحات عظيمة هى صدفة تحدث لمعظم الناس بطرق مختلفة، البعض عنده الكفاءة والمثابرة والاجتهاد فيستغل الفرصة ويصعد بها إلى أعلى، والبعض الآخر تمر الفرصة أمامه وهو كسول ونائم وبطىء الحركة، ويظل يعتقد أن حظه سيئ وأن الفرصة لم تأتِ له أبداً.

قم يا مصرى مصر دايماً بتناديك