Translate

Thursday, February 11, 2021

دروس لقاء البايرن - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 10/2/2021

 لقاء بايرن ميونخ والنادى الأهلى لم يكن مجرد لقاء كروى عادى ما بين فريقين، لكنه كان لقاء ما بين ثقافتين أو منهجين أو طريقتى وأسلوبى تفكير، لا أتحدث فقط عن طريقة لعب فريق، ولكنى أتحدث عن الأهم وهو ثقافة الجمهور، ليس جمهور الأهلى فقط، لأننى كنت مثل كل المصريين مهما كان الانتماء، أشجع الأهلى من كل قلبى وأتمنى له الفوز، شاهدت المباراة مع آخرين، كانت التعليقات تطلب البركة والمدد أو كسر قدم لاعب ألمانى أو وفاة حارس المرمى بسكتة قلبية.. إلخ، أو وصف اللاعبين الألمان بصفات خارج نطاق الرياضة واستهجان تصرفاتهم الشخصية، مثل العلاقات النسائية أو أن البيرة مشروب الألمان المفضل.. إلخ من مفردات الحشرية، وأن الله سيخذلهم نتيجة لذلك ويدعمنا ويقف بجانبنا.

كان نصف عقلى مع المباراة التى ظهر فيها منذ أول لحظة فارق اللياقة البدنية والتكتيك والمهارة بيننا وبينهم، وبات مؤكداً فوز البايرن وانحصرت وانحسرت وتقلصت الأمنيات إلى طلب الستر والهزيمة بهدف أو هدفين فقط، ونصف عقلى الآخر يحلل أسباب تأخرنا عن الركب، وكأننا نتفرج على كائنات فضائية، إنه غياب المنهج العلمى فى التفكير، حتى الرياضة يا سادة أصبحت علماً، مهما حمست السباح أو العداء «شد حيلك يا بطل.. كلنا وراك..» إلخ، ومهما قرأ النصوص المقدسة كلها والدعوات والأذكار والأوراد، إن لم يكن معداً بدنياً بالطريقة العلمية السليمة سيخسر حتماً، كذلك لاعب كرة القدم لن يشفع له أن يطلق الجمهور على فريقه فريق الساجدين لكى يكسب فريقاً ثمن لاعبيه بميزانية دولة!، المنهج العلمى بداية من التغذية، طريقة بناء العضلات، الأحمال، مدة التدريب وطريقته، خطط اللعب.. إلخ.

لا يمكن لمنهج تفكير يجعل مدرب منتخب يجمع لاعبيه لقراءة الرقية الشرعية أن ينافس عالمياً، لا يمكن لمتواكل أن يهزم مجتهداً، لا يمكن لمن يضرب حلة محشى على العشا قبل الماتش أن يهزم من يمشى بجدول السعرات الحرارية، بركة دعاء الوالدين تنفع فى حفلات الطهور وكودية الزار، لكنها لا تنفع فى ممارسات رياضة هى أهم بيزنس على كوكب الأرض، طريقة تفكير الرؤوس قبل طريقة مراوغات الأقدام، المذيع المصرى على قناة الكاس القطرية يدعو بالرحمة لضحايا المدرجات المسلمين فقط!!، هذه طريقة تفكير مذيع رياضى يعلن للعالم من خلال شاشة يشاهدها عشرات الملايين عن منهج عنصرى فى التفكير، هذا هو الفرق الثقافى الذى أتحدث عنه، والذى كنا نحن فجر الضمير والسباقين فيه، لكن جرت فى النهر مياه كثيرة، وتراكمت طبقات جيولوجية وافدة من ثقافات غريبة على النسيج المصرى جعلت من قيمة العمل والجهد قيمة متدنية فى قاع الاهتمامات، وجعلت من التواكل والفهلوة دليل هداية ودستور حياة، وكما قال «نزار»:

بالناى والمزمار

لا يحدث انتصار

لا تلعنوا السماء

إذا تخلت عنكم

لا تلعنوا الظروف

فالله لا يؤتى النصر من يشاء

وليس حداداً لديكم.. يصنع السيوف.


Tuesday, February 9, 2021

القاهرة تطلب الرحمة والحفاظ على التاريخ بقلم د. محمد أبوالغار ٩/ ٢/ ٢٠٢١ - المصري اليوم

 

يقام فى القاهرة عدد كبير من مشروعات البنية التحتية، الكثير منها كبارى علوية تقام وسط مبان وشوارع قديمة، وتحولت أحياء سكنية إلى طرق سريعة بالقرب من النوافذ والبلكونات. وقد أفاد كبار خبراء تخطيط المدن بأن بناء الكبارى العلوية داخل المدن ليس الحل الأمثل، ويراعى فى المدن القديمة التاريخية عدم هدم أو تدمير مبانٍ أثرية. ويتفق الجميع على أن الطرق العلوية السريعة هى طرق دائرية حول المدن.

هناك مجهود كبير يُبذل فى إنشاء شبكة طرق حديثة، ولكن الجميع يعلم أن شبكة الطرق التى تقام فى الصحراء أو بين مدن فى الخلاء أمر مهم ومطلوب، أما داخل المدن فهناك حذر كبير من ذلك لأهمية الناحية الجمالية، وكذلك الحفاظ على التراث بجميع أنواعه وترك مساحات خضراء. هناك أمثلة كثيرة كمشروع كوبرى الفردوس الذى دمر الكثير من المقابر الأثرية المهمة، وسبق أن كتبت عن تدمير مقبرة الصحفى والأديب الوطنى إحسان عبدالقدوس وغيرها.

بالنظر إلى مدينة عتيقة مثل لندن، لا أحد يمكن أن يقترب من الأجزاء القديمة والمبانى، ولا يجرؤ أحد على بناء كوبرى علوى ويهدم قصرًا قديمًا أو مبنى أثريًا. هناك مناطق فى لندن شوارعها ضيقة ولم يبنِ أحد كوبرى فوقها حتى لا يدمر التراث. وباريس نفس الشىء. صحيح أن باريس أقيمت بواسطة مهندس مدن خطط الشوارع الكبيرة المتسعة والميادين الضخمة، ولكن هناك أحياء فى وسط المدينة شوارعها ضيقة وبها عدد من الحوارى والأزقة ولكنها نظيفة ورائعة، ولا أحد فكر فى إزالتها وتدمير مبانيها. وحسنًا أن الدولة قد استمعت لرأى الشعب والخبراء وقررت نقل مشروع بناء العجلة الضخمة فى حديقة بمدخل الزمالك إلى مكان آخر.

.. يعلم الجميع أنه تم تدمير أجزاء من حى مصر الجديدة وثبت وجود مشاكل كبرى بعد بناء بعض الكبارى، بالإضافة إلى أنه لا يمكن بناء طريق سريع داخل مدينة بين البيوت، فإن هذه المنطقة الجميلة تحولت إلى منطقة قبيحة، وخطرة على السكان الذين يعبرون الشوارع، واضطرت الدولة لتركيب إشارات ضوئية فى طريق سريع حتى يمكن عبور الطريق وهو حل غير مجدٍ فى مصر لأنها تضطر لوضع عساكر مرور عند كل إشارة حتى تلتزم السيارات. والآن تنوى الهيئة بناء كوبرى فى منطقة جميلة وهى البازليك فى مصر الجديدة، وحسب تقرير المهندس سيف أبوالنجا، أمين عام جمعية المعماريين، فإن الكوبرى سوف يدمر أجزاء تراثية بنظام معمارى متميز منذ عام ١٩٠٥ وعمارات ذات طراز فريد، والكنيسة الأرثوذكسية العريقة، ومقبرة البارون أمبان، وكنيسة البازليك، وسيكون كوبرى كارثيًا يشوه الميدان ويعطل المرور الذى لا توجد به مشكلة فى هذه المنطقة. بالإضافة إلى ذلك فهو مخالفة واضحة للقانون ١١٩ للبناء. فكيف لحكومة أن تخالف علانية قانون البناء، وفى نفس الوقت تحاسب المواطنين وتسجنهم فى حالة مخالفته؟!

ومن ضمن الخطط، هدم القصر الأسطورى الذى بناه برسوم باشا حنا عام ١٨٦٤ وعمره ١٦٧ عامًا فى العباسية، على مساحة ١٦٠٠ متر مربع، وهو تحفة معمارية من الخارج والداخل، ومسجل فى الآثار برقم ٠٣١٧٠٠٠١٠٩. دبى، التى يعتبر بعض المسؤولين أنها تحفة معمارية يريدون تقليدها، تتمنى مثل هذا القصر ليكون مزارًا عندهم.

هذا عن الواقع، فماذا عن رأى الخبراء؟ لقد صدر بيان شعبة العمارة والفنون بالمجلس الأعلى للثقافة، التى تضم قمم المعماريين ومخططى المدن فى مصر، يوضح خطورة ما يحدث ويطالب بوقف هذه الأعمال العشوائية، وكانت الشعبة قد أصدرت بيانًا قبل بدء العمل فى كوبرى الفردوس وطالبت بحماية النطاق الشمالى لقرافة المماليك الشمالية، ولم يلتفت أحد إليها، وأرسلت مذكرة أخرى إلى كل الجهات العليا فى مصر مع العلم أنها قدمت دراسة علمية دقيقة عام ٢٠١٤ من خلال منظمة اليونسكو، ودراسات أخرى عن كل هذه المناطق ولا أحد يستمع إلى الخبراء العالميين الوطنيين.

حين تم بناء القاهرة الخديوية فى عهد الخديو إسماعيل اعترض على باشا مبارك على الاعتداء على أجزاء من القاهرة المملوكية أو القديمة، وكان هناك عقلاء فى الحكومة المصرية فتم البناء فى منطقة أخرى.

الاعتداء على القاهرة الأثرية شمل إزالة عرب اليسار فى سفح القلعة، وخطة نقل حى الصاغة العريق إلى ما يسمى مدينة الذهب، وهذه كارثة ثقافية واقتصادية غير مسبوقة.

مصر وقّعت على العديد من الاتفاقيات الدولية مع اليونسكو لحماية كل الآثار فى العصور المختلفة، ومصر تخالف هذه الاتفاقيات دون سبب واضح، ودون حوار مجتمعى، ودون استشارة وأخذ رأى كبار المعماريين المصريين. زارت القاهرة رئيسة مركز التراث العالمى فى اليونسكو وقابلت رئيس الوزراء ولم يصدر بيان عن المقابلة، وعرفت من بعض الأصدقاء أن هناك نية لنقل مصر من قائمة التراث العالمى إلى قائمة التراث المهدد، وهذا لو حدث سيكون أمرًا جللًا وخطيرًا يؤثر على مستقبل مصر الحضارى والسياحى، ومصداقية مصر فى الالتزام بالاتفاقيات الدولية التى وقعناها مع اليونسكو.

أعتقد أن كل مشروعات الكبارى داخل المدن تتم بحسن نية وبرغبة فى تحسين المواصلات، ولكن حسن النية لا يكفى، رأى مجموع الخبراء مهم فى كل ما يخص مستقبل الوطن، والحوار المجتمعى والرأى الشعبى يجب أن يُؤخذ فى الاعتبار. أرجو أن ينظر المسؤولون لآلاف الآراء والمقالات الموجودة على وسائل التواصل الاجتماعى، وهم يريدون مصلحة الوطن. فلنتوقف، وكفى ما حدث، ونلتقط الأنفاس ونعرض كل هذه المشروعات على المعماريين المختصين وتتم مناقشتها، وننفذ فقط ما لا يدمر الآثار، ولا يخالف ما سبق أن وقعناه، ويحفظ مستقبل مصر، لأن تاريخ القاهرة لا يملك مصيره جيل واحد ولا حكومة واحدة.

قوم يا مصرى.. مصر دايمًا بتناديك


رجاء النقاش صياد اللؤلؤ - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 8/2/2021

 كم نحتاجك اليوم يا رجاء، فى ذكرى رحيل الناقد العظيم رجاء النقاش كررت تلك الجملة كثيراً، فزمان التيك أواى يحتاج إلى ناقد بحجم وجدية وتذوق وذكاء وموسوعية رجاء النقاش، الذى كان كصياد اللؤلؤ يبحث ويجتهد ويحتفى بأى شاعر أو روائى أو كاتب مسرحى من خلال الورق حتى دون أن يقابله شخصياً، لم يكن ناقد شلة أو تنظيم أو حزب، كان عاشقاً للجمال. جواهرجى يعشق الألماظ الحر الحقيقى.

كان توقيع «النقاش» مثل ختم النسر فى الحكومة، هو جواز مرور الفنان إلى عالم النجومية والاحتراف، هو الجسر الذى يعبر عليه من يتلمسون ضوء الجماهيرية فى بداياتهم، فعل ذلك مع الشاعر الفلسطينى محمود درويش وقدمه قبل أن يأتى إلى مصر.

فعل ذلك مع الروائى السودانى الطيب صالح الذى لم يكن معروفاً، وكتب مقدمة ديوان «مدينة بلا قلب» الذى رسخ هو وديوان «الناس فى بلادى» للشعر الحديث فى مصر والعالم العربى، كان الشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى -كما حكى لى- شاباً تائهاً فى دروب القاهرة، حضر من تلا منوفية بلا عمل بعد منعه من التدريس، لا يملك إلا موهبته، قابل رجاء النقاش فى ندوة أنور المعداوى على قهوة عبدالله بالجيزة، تحمس «رجاء» وافتتن بشعر حجازى وساعده على النشر فى مجلة الآداب البيروتية.

ثم كتب مقدمته الساحرة للديوان التى تعتبر بمثابة مانيفستو الشعر الحديث، الكتابة عن رجاء النقاش تحتاج مجلدات، وأياديه البيضاء على جيلى لا تنسى، يكفى أننا كنا نلتهم مجلة «الدوحة» التى كان يرأس تحريرها فى وقت انحسرت فيه كل المجلات الثقافية فى مصر، كانت الدوحة مجلة مبهرة شكلاً وموضوعاً، كانت وجبة ثقافية من كل الفنون، من الفن التشكيلى والنحت حتى الشعر والقصة، تعرفنا من خلالها على أهم الكتاب العرب من المحيط إلى الخليج.

يكفى حواره المتفرد مع نجيب محفوظ الذى أصدره فى كتاب يعد مرجعاً لكل من يريد التعرف عليه، يكفى أنه عندما تولى الإشراف على مجلة الإذاعة والتليفزيون جعلها منبراً ثقافياً، فقد نشر فيها على سبيل المثال «المرايا» لنجيب محفوظ، كان مذاق مجلة الكواكب والهلال فى عصره مذاقاً مختلفاً، له بصمة كالوشم فى قلوبنا وعقولنا، كتابه «عباقرة ومجانين» الذى أتمنى إعادة طباعته، هو كتاب ممتع تتعلم منه أن الكتابة فى الثقافة لابد أن تكون جذابة.

عشقه للغة العربية التى عرف أسرارها من خلال تخرجه فى قسم اللغة العربية فى كلية الآداب، جعله يستطيع كشف وفرز الكاتب الزائف من الحقيقى من ترمومتر الرشاقة اللغوية، مواقفه الإنسانية النابعة من حسه الثقافى العالى وبوصلته الإبداعية الدقيقة جعلته يتصدى لمواقف كان من الممكن أن تعصف به، فلأنه يعرف جيداً أن نزار قبانى فنان، وشاعر موجوع بالهزيمة، وأن «هوامش على دفتر النكسة» مكتوبة بمداد الألم لا الشماتة.

وبنزف الجرح لا بشهوة الخيانة والتشفى، تدخل وتوسط لنزار قبانى ولتوضيح وجهة نظره للنظام الناصرى الذى لم يتعامل وقتها مع القصيدة على أنها صرخة شاعر، بل تعامل بعض أفراده معها على أنها منشور انتقامى.

وعاد نزار قبانى إلى حضن مصر كفنان وشاعر يُحتفى به ولا يُنتقم منه، هذا هو رجاء النقاش الذى ينتصر للجمال وللفن وليس للحنجورية السياسية الزاعقة المباشرة، كم نفتقد البدر «رجاء» الذى نقش فى شغاف القلب نوره فى الليلة الظلماء.


Sunday, February 7, 2021

الشباب الذى نريده (٢).. النجاح والتميز بقلم الأنبا موسى ٧/ ٢/ ٢٠٢١ - المصري اليوم

 

فى حديثنا الماضى، تحدثنا عن الشباب الذى نريده أن يكون.. نواصل حديثنا عن «الاستقلال»، ويقول عنه العامة «لا حد ماسك عقله ولا حد ماسك قلبه».. أى أنه حر فى تفكيره ومشاعره.

٣- الاستقلال: (لا أحد يتحكم فى عقله ولا فى قلبه):

وهناك نوعان من الاستقلال:

أ- الاستقلال المعرفى:

- أى لا نسلِّم عقولنا لأحد يتحكم فيها (ما يسمى غسيل المخ)... (Mind Control)، بل يكون لنا العقل النقدى الذى يميز بين الأمور.

- بمعنى ألا يستعبد الإنسان نفسه لإنسان آخر. أو لمدرسة فكرية معينة، بل يكون عقله منفتحًا على كافة البشر والمدارس، مع إفراز روحى وذهنى.

- فالإنسان الصحيح نفسيًّا لا يغلق عقله عن إنسان، ولا يرفض فكرًا آخر بدون مناقشة ودراسة، أو رأيًا آخر دون أن يعطيه فرصة العرض والتمحيص.. فالتشدد الفكرى دليل عدم النضج.

- ولكن هذا لا يعنى أن يكون عقل الإنسان كطريق مسطح أو حديقة بلا أسوار.. فالسلبية الذهنية وبال على الإنسان أيضًا.. وكل ما نقصده هو أن الإنسان المستنير قادر على التمييز بين الغث والسمين، ولذلك فهو لا يغلق ذهنه، ولا يفتحه بطريقة سلبية، بل يتحاور ويتفاعل ليصل بعمل روح الله إلى الحق.

ب- الاستقلال العاطفى:

بمعنى ألا يكون الإنسان تابعًا- عاطفيًّا ووجدانيًّا- لآخر يسبى قلبه، ويستولى على عواطفه، ويلغى إمكانية تعامله مع الآخرين. فالعاطفة البشرية الطبيعية، غير الخاضعة للروح والعقل، تتحول بعد قليل إلى قيد على الإنسان، وسبى شديد، وذاتية بغيضة، وخطايا متنوعة، أما العاطفة التى يضبطها العقل، وتقدسها النعمة، فهى عاطفة تتسم بما يلى:

١- الانتشار والاتساع لتشمل الكل.

٢- عدم العبودية لإنسان أو شىء.

٣- عدم التقلب والثبات.

٤- الاستنارة بحيث لا تجنح بالإنسان إلى المهالك.

٥- النقاء والطهر، بسبب الاستجابة لعمل روح الله فيها.

٤- قبول الذات والآخر (Accepting each other):

أ- قبــول الــذات:

- بمعنى أن أشكر الله على الذى أنا فيه، وليس معنى ذلك أن أستكين، بل إن الإيجابيات أشكر الله عليها، والسلبيات أطلب من الله أن أعرفها وأتعامل معها وأصححها. ويعتبر العالم الفرنسى د. ماكسويل مالتز Maxwell Maltz أن معرفة الذات وقبولها أهم اكتشافات القرن العشرين فى مجال علم النفس، ويعتبر القديس الأنبا أنطونيوس «أن أول ما يحتاج إليه الإنسان العاقل هو أن يعرف نفسه، ثم بعد ذلك يحتاج أن يعرف أمور الله، وكل الهبات السخية التى تهبها نعمة الله دائمًا وأبدًا للإنسان، وبعد ذلك يحتاج أن يعرف أن كل خطيئة، وكل إثم، إنما هى غريبة عن جوهره (الروحى والعقلى).

- فليس مقبولًا الافتخار بالذات، ولا الرضا بالخطيئة، ولكن الرضا بما أعطاه لنا الرب من وزنات وملامح ومواهب. بل حتى بما سمح به من سلبيات وضعفات، وربما عاهات جسدية أو نفسية، أو مستوى ذكاء معين.

- لذلك فهو يقبل ذاته كما هى، ويقدمها لله ليقدسها، ويستثمرها، ويطوّرها، وينميها.. إنه لا ينقسم على نفسه، أو يحتقر ذاته، أو يرفض ما سمح به الرب من ضعفات، بل يحول ذلك كله إلى اتضاع وصلاة وعشرة، ليتمجد الرب فى ضعفنا.

- ومعرفة النفس مطلب نادى به الفلاسفة القدامى مثل أرسطو الذى قال: «اعرف نفسك» وهو أيضًا مدخل إلى السلام النفسى، فعندما يعرف الإنسان نفسه، ويقبلها على أنها عطية من الخالق، ويدرك مكانتها الحقيقية يستطيع أن يوظف هذه الإمكانيات.

- ويقول المفكرون: بأن الإنسان يُكّون لنفسه- من خلال نشأته وتربيته فى أسرته ومجتمعه- نظامًا للقيم، ليتحلى بها ما تظهر منه من سلوكيات.

- هذا النظام القيمى.. إذا كان مبنيًّا على فهم صادق، وأساس راسخ، ومعرفة بالذات، وإمكانياتها، يساعد على أن يتمتع هذا الفرد «بالعين الحسية»، أما إذا كان مضطرًّا أن يتناقض ظاهره مع باطنه، فهنا يشعر بالقلق والخوف والتعاسة.

والإنسان عندما يعرف ذاته ويقبلها على ما هى عليه، يدرك الآتى:

١- محدودية قدراته كإنسان. 

٢- احتياجه إلى الآخرين، مما يحتم التضامن والتعاون معهم.

٣- الاعتراف بأنه فى نقصه وضعفه يقع فى الخطأ، ويخجل من خطئه، ويندم عليه ندمًا يحفزه إلى الرجوع عنه، وتفادى الوقوع فى مثله مستقبلًا.

٤- أنه فى مقابل قدرات الإنسان الذاتية المحدودة، هناك قدرات الله غير المحدودة، التى تدعم الإنسان فى جهاده.

٥- أن الإنسان لا يمكنه النجاح فى أى عمل، أو نشاط، إذا ابتعد عن أرض الواقع، وعاش فى أوهام وخيالات غير قابلة للتحقيق.

ب- قبول الآخر:

الآخر هو أخى وأختى وصديقى.. وكل من أتعامل معه، وإن لم أتعلم أن أقبل الآخر، سوف أنعزل، وتنقطع كل الجسور بينى وبينه.

«كُلُّ شَىْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ» (تيموثاوس ١٥:١).. هذا مبدأ مسيحى مهم، فالإنسان المتدين يرى كل ما هو جميل وطاهر فيمن حوله، وفيما حوله.. إنه الإنسان السليم نفسيًّا.. أما السقيم نفسيًّا فهو لا يرى فى الناس إلا الوجه السلبى، والضعفات والدنايا، ولا يرى ما فيهم من ميزات وعطايا.. إنها حيلة دفاعية معروفة اسمها «الإسقاط» حينما لا يكف الإنسان عن إدانة الآخرين، ليبعد الأنظار عن ضعفاته وأخطائه الشخصية.

أما الإنسان السوى فهو مدعو إلى قبول الآخر بكل حب، والتأمل فيما يتميز به من سمات إيجابية، ولا ينتظر حتى يصير الآخر مناسبًا، أو جيدًا، أو متعاونًا، بل يحبه كما هو، ويتعامل معه كما هو، وليس كما يريده أن يكون!!

الإنسان السوى المتدين «قلبه وعقله مفتوحان للجميع، دون التنازل عن الإيمان، أو المبادئ الإيجابية السليمة»، أعاننا الله أن نعيش هذه الحياة السعيدة.

* أسقف الشباب العام بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية


Saturday, February 6, 2021

حياة بعد الحياة! بقلم د. وسيم السيسى ٦/ ٢/ ٢٠٢١ - المصري اليوم

 

سألتنى الأستاذة رانيا كريم: هل هناك عالم آخر تذهب إليه الأرواح؟ وأرد عليها بالآتى:

كتب ول ديورانت فى موسوعته قصة الحضارة.. الجزء الأول تحت عنوان نشأة الدين: إن الإنسان البدائى منذ حوالى عشرين ألف سنة اعتقد أن الذى يموت يذهب إلى عالم آخر، ذلك لأنه كان يرى المتوفى فى أحلامه، قارن بين الميت والحى فلم يجد فرقًَا إلا التنفس، فأطلق اسمًا على هذا التنفس: هواء! ريح! روح! Spirit وهى من Respiration أى روح من تنفس! ونحن حتى الآن حين يتوقف التنفس نقول: روحه طلعت! خاف الإنسان البدائى من الروح وزيارتها له فى الأحلام حتى إنه كان يخرج بالمتوفى من فتحة بجدار مسكنه وليس من الباب، ويلف بالمتوفى ثلاث مرات حتى يظلل الروح عن مكانه، ثم يذهب لدفنه بعيدًا عن داره، ويحيط مقبرته بنباتات شائكة، ومن هنا زراعة الصبار حول المقابر حتى الآن.

جاءت الحضارة المصرية آمنت بالبعث، فوضعت أرقى قانون أخلاقى عرفته البشرية حتى الآن، احترمت الحياة فى النبات والحيوان والإنسان، وكان المصرى أو المصرية يقر أمام محكمة العدل الإلهية: ٤٢ اعترافًا إنكاريًّا لكل ما هو شرير منها: لم أكن سببًا فى دموع إنسان أو شقاء حيوان، كما لم أعذب نباتًا بأن نسيت أن أسقيه ماءً. حين كنت فى إنجلترا كانت تأتى حالات للمستشفى يطلق عليها B.I.D وهى الحروف الأولى لثلاث كلمات: أى أحضر ميتًا! Brought In Dead وكانت الإسعافات والصدمات الكهربائية فى الرعاية المركزة، كانت الغالبية لا ترتد لها الحياة، وقلة قليلة تعود لها الحياة.

جاء دكتور ريموند مودى وطلب من المستشفيات أسماء من عادوا إلى الحياة بعد أن كانوا موتى! وأرسل لهؤلاء الأحياء مجموعة من الأسئلة، رد عليه حوالى مائتين، جمع ردودهم فى كتاب بعنوان: Life After Life أى حياة بعد الحياة، أجمعوا على أنهم مروا على ثلاث مراحل:

١- الطفو فى الغرفة أو الحديقة أو الفضاء العريض.

٢- نفق أسود فى نهايته نور.

٣- الوصول إلى كائن نورانى أحاطهم بدفقات من الحب.

كما أجمعوا على أن أحلى وأجمل لحظات حياتهم هى تلك المراحل الثلاث، وينتظرون عودتها لأنهم تأكدوا أن هناك حياة بعد هذه الحياة، قال أحدهم: عرفت أن هذا الكائن النورانى هو المسيح. ولكنى آخذ على دكتور مودى أنه لم يكن موضوعيًّا؟! فظاهرة الطفو يحس بها كثيرون عند التخدير العمومى، كذلك ظاهرة النفق الأسود موجودة فى نوع من البنج اسمه كتلار أو كتامين سلفات، أما الكائن النورانى فربما ناجم عن حرمان المخ من الأكسجين، كذلك لم يسأل مودى المسلم والبوذى عن الكائن النورانى، لربما يقول له المسلم: الكعبة، والبوذى: بوذا، والمسيحى: العذراء، إذن فهى رؤية شخصية وليست موضوعية.

أشكر لك سؤالك يا رانيا، تتقدم الشعوب بمثل هذه الأسئلة، كانت الخلافة فى العصر العباسى فى أوج قوتها، وكانت الحرية الفكرية الدينية فى أروع تجلياتها، حتى إن المتنبى يقول:

فما هذه الأرواح إلا من جوه

وما هذه الأجساد إلا من تربه!

وأبوالعلاء يقول: وبصير الأقوام مثلى أعمى

هلم فى حندس نتصادم!

ولأن الدولة قوية تكرم هؤلاء الفلاسفة حتى إن الراوندى زعيم الإلحاد فى الدولة العباسية يموت على فراشه ولا يفكر أحد فى إيذائه! والتاريخ يسجل هذا الموقف الحضارى للعصر العباسى الأول. أخيرًا يا رانيا أبحرت بك فى بحر الظلمات، وما أعتقد أنى أوصلتك لشاطئ الراحة، عليك بالبحث والقراءة لأن المعرفة قوة.


لماذا يظهر المستريحون؟ - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 5/2/2021

 المستريح الذى نصب على أهل المنيا وجمع منهم ملياراً ونصف المليار فى أكبر عملية خداع اقتصادى بعد أن ظننا أن شركات توظيف الأموال التى كان «الريان» أيقونتها ونموذجها الزاعق قد ماتت بالسكتة، هذا المستريح هل هو سيصبح آخر المستريحين فى مصر؟ هل بالقبض عليه ستنتهى هذه الظاهرة؟ أنا لست اقتصادياً ولكن من الممكن أن أقول إنه لن تنتهى تلك الظاهرة إلا إذا تم حل جذورها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأتمنى أن يشارك خبراء الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع فى مائدة مستديرة أو منتدى عام لتحليل وتشخيص تلك الظاهرة وإيجاد حلول لها.

فليس من المعقول أن يتم جمع مليار ونصف المليار جنيه وهو رقم رهيب من رابع أفقر محافظة فى مصر!، كيف يستقيم هذا وذاك؟ كيف يجمع هذا النصاب هذا المبلغ من فلاح يجد قوته بالكاد وموظف حياته كلها قروض وعمال غلابه وصنايعية وسريحة... إلخ؟ ما هى الأسباب التى تجعل شركات توظيف الأموال ونصابى المستريحين يخدعون هؤلاء البسطاء؟ هل هى ثقافة الكسب السريع وتكوين ثروة من الهوا؟ هل لأن قيمة العمل مهدرة بل ليست لها قيمة أصلاً؟ هل خفض قيمة الفائدة فى البنوك جعلت المواطن فريسة سهلة للوقوع فى فخ وبراثن هؤلاء النصابين؟ هل فتاوى بعض رجال وسماسرة الدين المحرمة لفوائد البنوك واعتبارها ربا هى السبب فى إحجام البعض عن وضع أموالهم فى البنوك أساساً حتى لا يقعوا فى الحرام كما أوهمهم هؤلاء الدعاة؟ هل السبب هو ضعف إمكانيات الاستثمار وعدم تدريب وتوعية المواطن كيف وأين يستثمر؟

والسؤال الملحّ كيف يستطيع النصاب توفير فائدة ٣٠٪ مثلاً فى ظل تلك الأجواء الاقتصادية الخانقة فى الشهور الأولى والتى هى بمثابة الطعم والمغناطيس الذى يجذب السذج؟ هل هو غسيل أموال، أم تجارة مخدرات، أم مضاربات بورصة، أم كما يقولون من دقنه وافتل له ولبس طاقية ده لده، وما دام هناك سذج فالسبوبة شغالة!، كيف نفسر أن المستريح كان يمنح على كل ١٠٠ ألف جنيه أرباحاً ٣٥ ألف جنيه؟! كيف نفهم ونستوعب أن أحد ضحايا المستريح وهو عمدة لإحدى القرى منحه مبلغ ٥٣ مليون جنيه نظير تشغيلها؟! كيف صدق الناس فى المنيا أن كل تلك الأموال نظير تصدير الرخام إلى الصين؟!

إذن هناك مشكلة فى بنية التفكير المنطقى وخلل فى طريقة الاستنباط العقلى والتحليل والفلترة، وأن الرغبة والحلم عندهم تعطل الحواس وتشل العقل وتجعل من حامل الدكتوراه عبيط القرية!، القضية متشعبة ولا أدعى فيها عمق المعرفة وامتلاك العصا السحرية للحل، لكن على الأقل فلنبدأ فى دراسة الظاهرة حتى لا يستريح المستريح.


Friday, February 5, 2021

تطبيق حدود العلم - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 4/2/2021

 بينما داعش تفكر فى جز وحز الرؤوس وقطع الأيدى تنفيذاً وتطبيقاً للحدود على المختلفين الكافرين! تتداول وكالات الأنباء خبراً يعتبر ثورة علمية وهى زرع وجه كامل ويدين فى جراحة استغرقت ٢٣ ساعة وأجراها فريق من ١٤٠ جراحاً، بالطبع هم من وجهة نظر الدواعش كفرة! إنه تطبيق حد العلم، وهذا هو ملخص ما كتبته المجلات والصحف:

تعتبر عملية زرع اليد المزدوجة لرجل من نيو جيرسى أول محاولة ناجحة فى العالم لم تنجح محاولتان سابقتان لعملية زرع اليد المزدوجة والوجه فى مكان آخر من العالم. جوزيف ديمو، البالغ من العمر 22 عاماً، وهو مقيم فى نيوجيرسى عانى 80٪ من حروق مساحة سطح الجسم الإجمالية فى حادث سيارة عالى السرعة فى عام 2018، خضع للإجراء الرائد فى جامعة نيويورك لانجون هيلث فى أغسطس بعد العثور على متبرع فى ديلاوير.

كان DiMeo قد غلبه النعاس على عجلة القيادة بينما كان فى طريقه إلى المنزل من العمل، واصطدمت سيارته بالرصيف وانقلبت. أخرجه سائق آخر من السيارة المحترقة قبل أن تنفجر. أمضى الأشهر الثلاثة التالية فى غيبوبة فى مستشفى لعلاج الحروق الحادة، وخضع لنحو 20 إجراءً بما فى ذلك ترقيع الجلد ونقل الدم. لقد أمضى حوالى شهر آخر فى الاستيقاظ من الغيبوبة وبدء بعض تمارين إعادة التأهيل قبل أن يحوله أحد زملاء رودريغيز إلى جامعة نيويورك لانجون هيلث.

أمضى DiMeo تسعة أشهر على قائمة انتظار الزرع، كان لديه أول موعد سريرى له مع رودريغيز فى مارس، وفى ذلك الوقت كان وجهه مصاباً بالندوب تماماً، وتلاشت جفونه ولم يكن لديه أى بقايا من الأذنين. وصف رودريغيز يديه بأنهما تشبهان القفازات، مع بتر أطراف الأصابع.

قال رودريغيز إن فريقه وجد على الفور أن DiMeo مرشح جيد للزرع، لأنه لا يعانى من مشكلات صحية أساسية، وليس لديه تاريخ من تعاطى المخدرات غير المشروع، وكان «المريض الأكثر تحفيزاً الذى قابلته على الإطلاق».

ومع ذلك، قال رودريغيز إنه نظراً لتاريخ DiMeo فى الطعوم وعمليات نقل الدم، كانت هناك فرصة بنسبة 6٪ للعثور على التطابق المثالى للمانحين. فى أكتوبر 2019، تم وضعه على قائمة انتظار الزرع، وبدأ الفريق فى التدرب على كيفية إجراء العمليات فى وقت واحد. ولكن بعد شهور من البحث والاستعداد، ضرب الوباء، وتم نقل الفريق الجراحى إلى الخطوط الأمامية لرعاية مرضى فيروس كورونا المستجد.

وقال رودريغيز «لم نغفل عن جو ولم نغفل تحديد هوية المتبرع»، مضيفاً أن ديمو لم يضغط على الفريق أبداً بشأن قضيته.

أمضى ديمو، الذى تم تصويره فى المستشفى بعد الحادث، ثلاثة أشهر فى غيبوبة طبية.

بعد تسعة أشهر من البحث، تم تحديد موقع «المتبرع المثالى» لـDiMeo فى ولاية ديلاوير. فى 12 أغسطس 2020، بدأ الفريق إجراءً مدته 23 ساعة لتغيير حياة DiMeo. عمل الفريق فى نوبات وفى نفس الوقت على المتبرع وDiMeo. تم استبدال يدى المتبرع ووجهه بأعضاء مطبوعة ثلاثية الأبعاد لتتناسب مع مظهره الأصلى.

الفريق بأكمله تدرب على مدى شهور وعمل فى نوبات خلال الإجراءات المتزامنة.

قضى DiMeo 45 يوماً فى رعاية المرضى الداخليين قبل نقله إلى مركز Rusk لإعادة التأهيل لمدة 57 يوماً أخرى من العلاج المكثف. وخرج إلى العيادة الخارجية للعلاج ولا يزال يتلقى حوالى خمس ساعات من التمارين اليومية ليديه والعلاج الوظيفى وعلاج الوجه.

إنه يواصل اكتساب القوة والعمل على قبضته، وبدأ يلعب البلياردو مرة أخرى. قال رودريغيز إنه لا يزال معجباً بتصميم DiMeo على بذل المزيد من الجهد، وبسعيه للعودة إلى العمل.