Translate

Saturday, May 22, 2021

وداعاً أمير البهجة - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 21/5/2021

 رحل الضوء الأخير فى ثلاثى أضواء المسرح، ودّعنا أمير البهجة، الوحيد الذى يستطيع أن يخرجك من قاع الحزن والهم إلى ذروة الضحك بإيفيه أو حتى بنظرة أو تعبير، أجمل من خرج عن النص باحتراف ومعلمة، طالما طبطب على قلوبنا بالبسمة، فقدنا كرم الفرح فى الزمن البخيل، فقدنا سموره، سمير غانم، كان يستطيع أن يضحكك بمجرد نظرة.. لمحة.. لفتة...إشعاع بهجة متحرك مع أول طلة.. ممكن ألا يتكلم كثيراً، يؤدى مشهداً صامتاً، لكن فقط بريأكشنات الوجه، تقطيبة جبين، رفع حاجب، دهشة عين، سرعان ما يجسد لك عبث الموقف وكوميديته المفرطة فى اللامنطق، والتى من شدة عبثيتها تضحك حتى الثمالة، من الممكن أن تقاوم أى شىء على وجه الأرض إلا مقاومة ابتسامتك عندما تشاهد سمير غانم، سمير لا يقاوم، ودائماً تخسر رهانك معه، حتضحك يعنى حتضحك، إنه تحدى البهجة الذى له فائز واحد وكسبان متفرد اسمه سمير غانم.

كما اختار التمرد على طريق الأب الضابط وخرج من جلبابه المنضبط ولم يستكمل كلية الشرطة، اختار التمرد على سجن الإيفيهات المكتوبة وصار ملك الارتجال، كان مؤمناً بأن جمهور المسرح متغير المزاج، ليس كتلة صماء، ليسوا نسخاً متشابهة كعيون الصينيين، لكن كل يوم مختلف، بل كل ساعة، ووصلة الكهرباء السحرية بينه وبينهم لا بد أن تكون مضاءة طوال الوقت وفى غاية المرونة، فيضبط نفسه على موجتهم ومزاجهم، ويرتجل معهم اللحظة، كانوا يطلقون على ما يصنعه على المسرح تهريجاً، وكانت فلسفته «وماله» فالحياة هى أكبر تهريجة، وكل هذا العبث الذى نعيشه لا يمكن التعامل معه إلا بمنطق التهريج والارتجال، الضحك لمجرد الضحك وبعث السعادة هو نفسه هدف ورسالة، خاصة مع شعب إذا ضحك يقول اللهم اجعله خير، شعب اخترع للحزن فناً وللمقابر سلطة.

هذا الزمن البخيل الضنين استكتر علينا سمير، هذا الفنان الذى كان واحداً من ثلاثة اكتشفهم المخرج محمد سالم، كان هو المنبوذ فيهم طبقاً لمقاييس الكوميديا، الرفاق كاراكترات، فالضيف أحمد نحيف، وجورج بدين، وهذه الصفات الممنوحة ربانياً تمنحهما قبولاً مجانياً، لكن سمير الطويل الرشيق الجميل متناسق الملامح كان عليه أن يفرض نفسه بالموهبة وأن يشق طريقه بالتفرد، وقد حدث بالفعل وصار أيقونة البهجة العربية، لا ننسى أنه قد صنع شخصية فطوطة التى صنعوا منها عرائس وتماثيل وأغلفة كراسات.. الخ، كان الأطفال يعلقونها على حوائط غرفهم، والأطفال بالذات لهم مع سمير غانم حكايات عشق وغرام لا تنتهى، أحبوه كما لم يحبوا شخصية مثله، كان أول من مارس الستاند أب كوميدى فى مونولوجاته الكوميدية الطويلة والتى كانت أحياناً مفاجأة لزملائه، ميزة سمير غانم الإنسانية أنه كان خفيف الدم وشخصية مريحة على الشاشة وخارج الشاشة، لم يكن لديه أى سواد أو غل، متصالح مع نفسه، باختصار وبلغتنا العامية إنسان يحب الروقان.

سمير برحيلك توقف دينامو البهجة عن ضخ كهرباء الفرح فى حياتنا


Friday, May 21, 2021

الكورونا وصدمة العزلة - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 20/5/2021

 مع الكورونا عرفنا الخطر والخوف والرعب والذعر، والأخطر أننا افتقدنا التواصل الاجتماعى، افتقدنا الحميمية، ضحينا بالقبلة والحضن والتلامس، حتى المصافحة صارت من الممنوعات، صار العاشق يخاف عشيقته، والجار يحتمى من جاره، والصديق يتهرب من صديقه، الموت ليس أكبر الخسائر لكن أنيميا الحميمية هذه هى أكبر وأخطر الخسائر، لأنها هى الحياة وبدونها تفقد الحياة معناها، بل وتفقد الحضارة معناها.

فبداية الحضارة هى رفيق اعتنى برفيقه وتعاطف معه وحماه، وفى هذا المعنى يحكى المدون والكاتب أحمد الديب قصة مهمة وذات مغزى يحدد بها بداية شرارة الحضارة، يقول فيها:

طالت بنا العزلة، أو هذا على الأقل ما يفكر فيه السواد الأعظم من الناس بينما يتسرب منهم الصبر مع مرور أيام تدابير التباعد الاجتماعى والإغلاق -الجزئى على الأقل- الذى طال معظم الأنشطة البشرية المعتادة.

عن أستاذة الأنثروبولوجى مارجريت ميد حين سألها أحد طلابها عما تعتبره أقدم أثر يشير إلى ظهور حضارة البشر. كان من المتوقع أن تذكر له شيئاً مثل إناء فخارى أو حجر طاحونة أو سلاح للصيد أو حتى صنم غابر، لكنها تمهلت قليلاً قبل أن تجيبه: عظمة فخذ آدمية، كُسرَت ثم التأمَت.

شرحت له أن انكسار عظمة الفخذ يحمل -فى المملكة الحيوانية حيث تهيمن شرائع الغاب- حُكماً شبه مؤكد بالموت. بفخذ مكسورة لا يستطيع الكائن -لأسابيع عديدة على الأقل- أن يسعى طلباً للطعام أو أن يهرب مما يطلبه كطعام! وعثورنا على هذه العظمة العتيقة لا يعنى سوى أن شخصاً ما قد قرر البقاء مع رفيقه المصاب والاعتناء به حتى التئام الكسر.

إن أول قرار بتقديم يد المساعدة الرحيمة -كما قالت ميد- تجسَّد فى الأرض مُعلناً معه بزوغ فجر الحضارة. لا يسعنا الآن إلا أن نعاود التفكير فى مسألة عظمة الفخذ الآدمية التى اعتبرتها مارجريت ميد أقدم آثار الحضارة.

انتهى الاقتباس ولكن الواضح أن العزلة لم تنتهِ بعد، وكل موجة تتلوها أخرى، ومعها نبتعد ولا نحتضن البعض لكى ننقل كهرباء سحر التواصل كل منا إلى الآخر، باختصار ليس الجحيم هم الآخرين بل الجحيم هو العزلة.


Thursday, May 20, 2021

كن موظفاً مخلصاً عند موهبتك - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 19/5/2021

 كان هناك من يعيب على نجيب محفوظ، أعظم روائى مصرى وعربى، أنه موظف روتينى ملتزم، يعشق وظيفته ويوقع فى دفتر الحضور والانصراف، وظل رغم كتابته للرواية موظفاً حتى سن المعاش، مثله مثل أى موظف مصرى فى أى مصلحة حكومية، وكان مبرر من ينتقد نجيب محفوظ هو أن الفن لا يحب تلك القيود الوظيفية التى يعتبرها خصماً من رصيد وطاقة إبداعه. وأنا على العكس أرى أن سر نجاح وتألق ونجومية وتأثير هذا العملاق أنه كان موظفاً، وأنا أتحدث عما هو أهم من موظف فى هيئة السينما أو فى الحكومة، أتحدّث عن نقله لروح الموظف لحياته وطريقة كتابته.

سر نجاح نجيب محفوظ أنه كان موظفاً مخلصاً عند مؤسسة موهبته! موظف ملتزم تحت إدارة السيد المدير «موهبة»، أفندى. صديقه الكاتب الساخر محمد عفيفى كان ذكياً ولماحاً حين أطلق عليه لقب رجل الساعة من شدة التزامه ودقة مواعيده، كانت مواعيد الكتابة لديه مقدسة، يجلس أمام القلم والأوراق ملتزماً من الساعة كذا للساعة كذا حتى ولو لم يكتب حرفاً أو حتى لو مزَّق كل ما كتب، المهم هو أن يكون الموظف الميرى الأمين فى إدارة أرشيف موهبته الفياضة، يوقع فى دفتر الحضور والانصراف الإبداعى، ثم ينطلق ليجالس ويسامر أصدقاءه، القراءة وشحن البطارية الإبداعية لهما ميعاد، المقهى له ميعاد، مكتب الأهرام له ميعاد، النوم له ميعاد، استثمر وقته وكأنه أعظم رجل أعمال أو أشهر مدير بنك، فأنتج لنا كل هذا الكم من الروايات الخالدة المدهشة فى جمالها وعذوبتها وتنوعها، هذا درس من نجيب محفوظ لأى شاب يبدأ حياته، كن موظفاً مخلصاً عند موهبتك، وقد كتب الروائى ماريو بارجاس يوسا، وهو من بيرو ويُعد واحداً من أشهر روائيى العالم، كتب عن هذا المعنى فى كتابه المهم «رسائل إلى روائى شاب» حين قال:

«أظن أن من يدخل اﻷدب بحماسة من يعتنق ديناً، ويكون مستعداً ﻷن يكرس لهذا الميل وقته وطاقته وجهده، هو وحده من سيكون فى وضع يُمَكِّنه من أن يصير كاتباً حقاً، وأن يكتب عملاً يعيش بعده. أما ذلك الشىء اﻵخر الغامض الذى نسميه الموهبة، النبوغ، فلا يولد -على اﻷقل لدى الروائيين- بصورة مربكة وصاعقة، (وإن كان ذلك ممكناً أحياناً لدى الشعراء والموسيقيين. والمثالان الكلاسيكيان على ذلك هما رامبو وموزارت بالطبع). وإنما يظهر عبر سياق طويل، وسنوات من الانضباط والمثابرة. لا وجود لروائيين مبكرين، فجميع الروائيين الكبار والرائعين كانوا فى أول أمرهم (مخربشين) متمرنين، وراحت موهبتهم تتشكل استناداً إلى المثابرة والاقتناع، وإنه لأمر مشجع جداً -أليس كذلك؟- بالنسبة لشخص يبدأ الكتابة، أن يطلع على مثال أولئك الكتّاب الذين راحوا يشيدون موهبتهم، على العكس من رامبو الذى كان شاعراً عبقرياً وهو فى أوج المراهقة وإذا كان هذا الموضوع، أى تشكل النابغة اﻷدبى، يهمك، فإننى أنصحك بمراسلات فلوبير الضخمة، وخصوصاً رسائله إلى عشيقته لويز كولى بين عامى 1850 و1854، وهى السنوات التى كتب خلالها روايته الفذة اﻷولى (مدام بوفارى). أنا شخصياً استفدت كثيراً من قراءة تلك المراسلات عندما كنت أكتب كتبى اﻷولى. وبالرغم من أن فلوبير كان شخصاً متشائماً، ورسائله تنضح بالشتائم ضد اﻹنسانية، إلا أن حبه للأدب كان بلا حدود. ولهذا اضطلع بميله كمحارب صليبى، مستسلماً له نهاراً وليلاً، باقتناع متعصب، فارضاً على نفسه متطلبات إلى حدود لا يمكن وصفها، وبهذه الطريقة تمكّن من الانتصار على نقاط قصوره».


Tuesday, May 18, 2021

تعافيت من الكورونا.. هل سأحتاج التطعيم؟ - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 17/5/2021

 هل يحتاج الذين تعافوا من «Covid-19» إلى اللقاح؟ سؤال مطروح بشدة وحوله جدل شديد، وبداية أقول إنه لم يُحسم بعد مثله مثل نقاط كثيرة فى «كوفيد ١٩» لم تُحسم، أكثر الأسئلة إلحاحاً وتكراراً هو: هل أولئك الذين تعافوا من العدوى يحتاجون الفاكسين أياً كان نوعه؟ الحقيقة أن الخبراء منقسمون حول هذه القضية.

قال الدكتور «Chattopadhyay»، عالم الفيروسات ومدير «ICMR-NITM»: «علمياً إن أولئك الذين تعافوا من Covid لا يحتاجون إلى التطعيم لأنهم قد طوّروا بالفعل أجساماً مضادة لمكافحة المرض».

وأضاف: «التطعيم يعنى إعطاء الفيروس أو أجزاء من الفيروس لتعزيز المناعة». «أولئك الذين تعافوا هم بالفعل محصَّنون، من الناحية العلمية التطعيم ليس ضرورياً لهم».

ومع ذلك، قال الدكتور راميش، عالم الأوبئة، إنه نظراً لوجود أمثلة على عودة العدوى، فإن اللقاح ضرورى للجميع، فى حين قال الدكتور «جيريدهارا بابو»، عالم الأوبئة وعضو اللجنة الاستشارية الحكومية، إنه من السابق لأوانه الحديث عن هذه القضية الآن.

وأضاف الدكتور «بابو»: «على الرغم من عدم وجود دليل دامغ وبحث علمى منشور مؤكد يشير إلى أن الفيروس قد تحوّر فعلياً فى الهند، فإنه لا توجد بيانات كافية حول المدة التى تبقى فيها الأجسام المضادة فى أجسام المرضى الذين تم شفاؤهم»، وأضاف: «هناك مثالان متطرفان أمام المجتمع العلمى. على سبيل المثال، إذا تعافى شخص من الجدرى، فإن إعطاءه لقاحاً غير ضرورى، ولكن بالنسبة للإنفلونزا، يتعين على الأشخاص أخذ جرعات معززة بانتظام، ويمكن لفيروس كورونا الجديد أن يذهب فى أى اتجاه أو يبقى بين هذين الطرفين، لا أحد يعرف، كما أنه لم يتم تحديد جرعة اللقاح بعد ومتى يكرر ومدة التحصين والمناعة... إلخ».

اختلف الدكتور سرينيفاس كاكيلايا، الطبيب العام الذى شارك أيضاً فى تأليف كتاب عن «Covid-19»، مع «بابو»، قال «كاكيلايا» إنه لأول مرة فى التاريخ يعرف المجتمع العلمى الكثير عن فيروس جديد فى مثل هذه الفترة القصيرة. «أظهرت دراسة عن استجابة خلايا الذاكرة التائية للفيروس استجابة قوية من تلك الخلايا، وهذا يعنى أنه على الرغم من أن الأجسام المضادة لا تدوم طويلاً، فإن الخلية التائية ستساعد فى تكوين أجسام مضادة لمنع الفيروس من الارتباط بالخلية»، وقال إنه «ليست هناك ضرورة على الإطلاق» لتطعيم الأشخاص الذين تعافوا، وإن الحكومة «ستوفر الكثير بذلك»، وقال: «لن يحتاج الكثيرون من المتعافين إلى اللقاح على الإطلاق»، «قد لا نعرف كم من الوقت تبقى الأجسام المضادة فى الجسم، لكننا أيضاً لا نعرف إلى متى ستستمر المناعة التى يوفرها اللقاح، ثم تقاوم الخلايا التائية»، ومع ذلك، تبنى «أميث. س. بات»، مدير مستشفى جيفان ريخا، الذى يُجرى تجارب سريرية بشرية لعدة لقاحات، وجهة نظر معاكسة، قائلاً إن أولئك الذين تعافوا من «Covid-19» سيحتاجون أيضاً إلى التطعيم، وفيما يتعلق بالجرعة، قال: فى المرحلتين الأولى والثانية من تجارب Covaxin، تم إعطاء جرعتين أو حقنتين، إذا استمرت نفس الجرعة للمرحلة الثالثة، فسيحتاج كل شخص فوق سن 18 عاماً إلى جرعتين عندما يدخل اللقاح إلى المجال العام.

لكن السؤال الذى أطرحه: هل هناك خطورة من التطعيم وقد مرّ على التعافى مثلاً شهر أو شهران؟ وإذا لم يكن هناك خطر واللقاح متوافر فلماذا لا يُحقن الجميع باللقاح وينتهى الجدل؟ إذن السؤال الذى لا بد أن يجيب عنه العلماء: هل هناك مشكلة فى أخذ اللقاح وأنا لدىّ أجسام مضادة؟ وما المدة التى يجب أن أنتظرها بعد التعافى؟ سؤال معلق لكن إجابته مهمة، خاصة للدول الفقيرة التى لا تستطيع تطعيم كل سكانها نتيجة احتكار الدول الكبرى للفاكسين.


عودة الهوية المصرية بداية الخروج من المأزق - د. محمد أبوالغار - 16/5/2021 - المصري اليوم

 منذ نهاية عصر المصريين القدماء حين كانت هويتنا مصرية واضحة بالكتابة واللغة والنحت والنقش والزراعة والنشاط الاجتماعى والتوحيد، فى عصر أخناتون، توالى على مصر الغزاة من كل جنس ولون، وبالتدريج تم تغطية الهوية المصرية بطبقات مختلفة من الهويات، بعضها استمر فترة قصيرة والبعض استمر قرونا طويلة، وتغيرت اللغة عدة مرات وتغير دين معظم المصريين أكثر من مرة.


وفى العصر الحديث فى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبعد أن تمتع بالتعليم الحديث مجموعة صغيرة من المصريين، بدأت صحوة جديدة تبحث عن الهوية التى تساعدها على الانطلاق والتقدم إلى الأمام. كان مصطفى كامل هو أول زعيم وطنى شعبى يطالب بالاستقلال، وبالرغم من أنه تلقى تعليمًا فرنسيًا حديثًا فى كلية الحقوق الفرنسية، وسافر إلى فرنسا وأصبح عقله مرتبا بالمنطق، وحين أنشأ الحزب الوطنى وقع فى إشكالية كبرى حين وجد الشارع المصرى فى معظمه يغط فى الجهل والأمية، والقلة منهم عندهم تعليم أزهرى تقليدى. والشارع المصرى عمومًا كان تفكيره إسلاميًا ووجد أن محاربة الانجليز تحتاج مساندة خارجية فأعلن ولاءه للدولة العثمانية وللخليفة الإسلامى، ووجد أن خير وقود يلهب مشاعر الجماهير هو الدين.

وهذه كانت بداية الحزب الوطنى القديم التى كانت قيادته من العلمانيين لكن الأفكار التى ينادى بها كانت أفكارًا إسلامية ذات ولاء لتركيا. وخلال فترات فى أوائل القرن العشرين تكون حزب الأمة، وهو أول حزب مصرى ينادى بالهوية المصرية، وكان مفكر الحزب وفيلسوفه هو لطفى السيد، ويتنمى إليه عدد من كبار ملاك الأراضى والمزارعين، وقيادتهم كانت ذات تعليم أوروبى عال، ولكن هذا الحزب كان بعيدًا عن الناس ولم ينل شعبية، ولم يكن الفصل بين الدين والحكم مفهومًا لدى الشعب.

ثم ظهر سعد زغلول الذى خرج من الريف بتقاليده وأفكاره ولم ينفصل عنه، وتلقى تعليمًا فرنسيًا عاليًا وانطلق بجدية شديدة يطالب بإلغاء الحماية ويطالب بالاستقلال والبرلمان والدستور، والتف حوله كل السياسيين المصريين من مختلف الاتجاهات، وكان لصلابته فى المفاوضات أمام الانجليز وقدرته العظيمة على تحريك الجماهير، وقدرة عبد الرحمن فهمى ولجان الوفد فى مصر على قيادة الشارع بمهارة بالغة ضد الانجليز تظاهرًا وعنفًا أو تهدئة وسلاما فى أوقات معينة- أن نال المصريون استقلالًا ودستورًا متقدمًا بمقياس هذا الوقت أمام أكبر إمبراطورية فى العالم.

وحقق سعد زغلول وهو الرجل العلمانى، موافقة الأمة بمسلميها ومسيحييها على إلقاء الهوية الدينية جانبًا، والتمسك بالهوية المصرية التى تحققت لأول مرة فى مصر بعد قرون طويلة، فأصبح الشعار الدين لله والوطن للجميع هو شعار الشعب كله. هذه الهوية المصرية التى رفض سعد زغلول بوضوح أن يدخلها فى هوية عربية أو إفريقية، وإنما أصر أن تكون مصرية، هذه الهوية حققت نجاحات ضخمة فى توحيد الأمة وفى إدخال التعليم الحديث مع تطوير جهاز الدولة، وتطور كبير فى الثقافة المصرية، وبدأ الشعب يتمتع بحرية لم يعهدها من قبل لعدة قرون.

ولكن بعد عقد واحد بدأ يحدث تناحر حول الهوية المصرية. أنشئت جماعة الإخوان المسلمين فى عام 1928، وبدأت الهوية الإسلامية تطل من جديد وتظهر فى شعب الإخوان، والتى تلاها كرد فعل ظهور الهوية القبطية. وفى هذه الأثناء ظهر تيار من المثقفين قاده طه حسين مطالبًا بالاحتفاظ بالهوية المصرية مع اندماجها تحت لواء الثقافة البحر متوسطية التى حاول أن يشرح ارتباطها بمصر طويلا فى العهود الرومانية واليونانية المختلفة، وتأثيرها بالذات على الشمال ومدينة الإسكندرية.

ثم جاء عام 1952 وقام الضباط الأحرار بما سمّوه الحركة المباركة، التى تطور اسمها ليصبح ثورة 23 يوليو، وفى الخمسينيات من القرن العشرين بدأت تظهر الهوية العربية بدفع من القيادة الناصرية التى كانت لها كاريزما كبيرة وتأثير على كافة شعوب المنطقة. ثم كان لظهور البترول بكثافة فى الخليج تأثير سلبى على إعادة بلورة الهوية المصرية.

وفى النهاية تمزقت مصر بين هوية إسلامية وقبطية وعربية وبحر متوسطية، ونسى الجميع أن هويتنا الأصلية مصرية، وأننا كنا نتقدم حين نكون صفًا واحدًا تحت علم الوطن المصرى بهوية مصرية. ويقول قائل إن أوروبا توحدت فى الاتحاد الأوروبى. نعم حدث تقدم مذهل ولكن ذلك كان أساسًا فى التجارة والزراعة والصناعة، ومازالت هوية الفرنسى أو الألمانى أو الإيطالى مختلفة.

وحدثت هذه الوحدة بطريقة ديمقراطية حقيقية، بحكومات منتخبة واستفتاءات تمثل الشعب وليس وحدة أو اتفاقات بطرق فوقية، وأخذت سنوات طويلة حتى يمكن إتمام هذه الوحدة. لقد جربنا الهويات المختلفة وكلها فشلت، والهوية الوحيدة التى نجحت منذ قدماء المصريين وأثبتت نجاحًا معقولًا فى ظروف صعبة حديثًا أيام ثورة 1919، وفى الفترة الليبرالية، هى الهوية المصرية. أصبح راسخًا فى تفكيرى أنه بدون هوية مصرية واحدة تجمع كل أبناء الوطن، بغض النظر عن الدين واللون والعرق، ومع الإعلان الواضح لشعار «الدين لله والوطن للجميع»، هو الوحيد الذى يمكن أن يدفع بنا إلى الأمام.

وأهلًا بالتعاون مع العرب اقتصاديًا واجتماعيًا وتعليميًا، وأهلًا بالتعاون مع كل بلاد إفريقيا، وأهلًا بالتعاون مع أوروبا. لو ركز المصريون على بلورة هذه الهوية، وهى الوحيدة التى تتمشى مع العصر ومع المستقبل، وبدأنا نشرح للأطفال والشباب أهمية الانتماء لمصر الموحدة ذات التاريخ الطويل، قد تكون هذه خطوة على طريق بناء الوطن بعيدًا عن المهاترات والأفكار التى دفنت منذ زمن بعيد فى العالم المتقدم.

قوم يا مصرى مصر دايمًا بتناديك.

Monday, May 17, 2021

هل سيعتذر الأزهر للخشت؟ - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 16/5/2021

 بعد تصريحات ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان الأخيرة، التى توافق فيها مع ما طرحه د.الخشت رئيس جامعة القاهرة فى كلمته أمام مؤتمر التجديد بالأزهر فى بداية العام الماضى، تلك الكلمة التى قوبلت بهجوم شديد من فضيلة شيخ الأزهر الذى دعم بعد ذلك ما قاله ولى العهد بعدة تصريحات فى برنامجه وعلى صفحته بوسائل التواصل الاجتماعى، فهل سنعتبر ذلك اعتذاراً للدكتور الخشت أم هو مجرد تأييد لولى العهد؟.

فقد كان الهجوم على رئيس جامعة القاهرة حاداً وهو المفروض ضيف على الأزهر، وقد تم استغلال تصفيق الحشد لكلام الإمام لإضفاء طابع انتصارات مباريات الملاكمة بالضربة القاضية على موضوع فكرى حوارى بالأساس وليس ثأرياً بالمرة، وبالطبع كان الضيف محروماً من تصفيق أبناء المؤسسة الدينية التى انتقد بعضاً من مناهجها الفكرية بكل الموضوعية، ولذلك وجب بعد مرور أكثر من سنة الاعتذار للدكتور الخشت عما حدث مضموناً وشكلاً، خاصة بعد تصريحات شيخ الأزهر التى أيدت كلام ولى العهد المتطابقة مع ما طلبه رئيس جامعة القاهرة كما ذكرنا.

ولنسترجع فى نقاط سريعة ماذا قال د.الخشت والذى اعتبره البعض قد ارتكب جريمة تستحق أن يلومه عليها فضيلة الإمام ويصف كلمته بأنها كلمة غير معدة وغير مدروسة وأنها مجرد تداعى أفكار، وأن التجديد يكون فى بيت والده...الخ، ملخص النقاط التى قدمها د.الخشت فى ورقة البحث هى:

- ضرورة تطوير العقل الدينى القديم وتأسيس خطاب دينى مختلف بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة، بتكوين عقل دينى جديد، والعقل الدينى ليس هو الدين.

فلا تكوين لعقل دينى جديد دون تغيير طرق التفكير وتطوير علم أصول الدين فإننا لن نستطيع أن نجعل إنساناً متسامحاً وهو يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة ويجزم بأن الآخرين على باطل، ولن نستطيع بث أفكار عقل مفتوح فى عقل مغلق. فالعقل المغلق ليس مجهزاً لاستقبالها مثلما أن التلفاز الأبيض والأسود ليس مجهزاً لاستقبال محطات البث الفضائى الإتش دى.

- لكى نقوم بإحداث نهضة لا بد من الرجوع إلى فلسفة التاريخ، وهى تكشف عن أن عصور الانتقالات الكبرى لا تجرى إلا بتغيير طرق التفكير، وهو ما قام به الأنبياء الكبار والفلاسفة والمصلحون الدينيون والقادة السياسيون الكبار.

- الواقع الحالى الذى نعيشه يوضح حتى الآن أن العلوم الدينية التى نشأت حول النص الدينى تجمدت وابتعدت عن مقاصده، وتم تحويل النص الدينى من نص (ديناميكى مفتوح) يواكب الحياة المتجددة، إلى نص (استاتيكى جامد) يواكب زمناً مضى وانتهى.

- تطوير علوم الدين وليس إحياء علوم الدين:

عندما ظهر دعاة الإصلاح بداية من القرن التاسع عشر، ودعوا إلى التحديث والإصلاح الدينى لم يقم أى منهم بمحاولة «تطوير علوم الدين»، بل قاموا بـ«محاولة إحياء علوم الدين»، كما تشكلت فى الماضى، وكأن النهضة تحدث بإحياء العلوم القديمة، على الرغم من أن العلوم القديمة هى علوم بشرية نشأت لكى تواكب العصر الذى وُجدت فيه من مختلف الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبالتالى قد لا تكون مناسبة لعصور أخرى لها ظروفها وواقع حياتها التى قد تتباين تبايناً جلياً عن سابقتها.

- نقاط الضعف التى يجب أن نثور عليها هى: الخلط بين المقدس والبشرى، وأن علم التفسير القديم يقوم على الصواب الواحد، وليس على تعددية المعنى وتعددية الصواب، سيادة العقيدة الأشعرية، وقال الخشت أنا مسلم ولست أشعرياً، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن أشعرياً، الخلط بين الإسلام والموروثات الاجتماعية، عدم التمييز بين قطعى الدلالة من النصوص وظنى الدلالة، وبين اللاتاريخى (الثابت) والتاريخى (المتغير) فى الأحكام الشرعية، وعدم التمييز بين الإسلام والمسلمين، الرؤية الأحادية للإسلام، عدم التمييز بين الأحاديث النبوية المتواترة والأحاديث الآحاد.

هذا ملخص ما قاله د.الخشت أمام شيخ الأزهر، أكتبه بعد هدوء غبار المعركة ومرور أكثر من سنة، وأتساءل: هل هذا الكلام جريمة؟ ومن الذى يجب عليه الاعتذار؟


Sunday, May 16, 2021

هل هناك فرق..؟! الكفاف – التمتع – التنعم ...... الأنبا موسى - 16/5/2021 - المصري اليوم

 بعد تقديم كل التهانى إلى الأحباء المعيدين بعيد الفطر المبارك، نقدم هذه الكلمات الثلاث التى وردت فى الإنجيل المقدس، فيما يخص حياة الإنسان المعيشية: اقتصاديًا واجتماعيًا. 1- الكفاف 2- التمتع 3- ترف الحياة..

أولاً: الكفاف: يعلمنا الكتاب المقدس أن نطلب الكفاف وأن نكتفى بما عندنا، ولا نكون طامحين إلى الغنى أو الحياة الاستهلاكية المنفلتة، وفى هذا يقول الكتاب المقدس:

1- «خُبزَنا كفافَنا أعطِنا اليومَ» (متى6: 11)، وهذه جزء من الصلاة الربانية التى نتلوها كثيرًا فى كل صلوات الكنيسة وصلواتنا كل يوم).

2- «تعَلَّمتُ أنْ أكونَ مُكتَفيًا بما أنا فيهِ» (فيبى4: 11).

3- «إنْ كانَ لنا قوتٌ وكِسوَةٌ، فلنَكتَفِ بهِما» (1تيموثاوس6: 8).

4- «كونوا مُكتَفينَ بما عِندَكُمْ» (عبرانيين13: 5).

5- «لكَى تكونوا ولكُمْ كُلُّ اكتِفاءٍ، كُلَّ حينٍ، فى كُل شَىءٍ، تزدادونَ فى كُل عَمَلٍ صالِحٍ» (2كورنثوس9: 8).

معناه ما يكفى الإنسان لكى يحيا حياة طبيعية جيدة. وواضح أن الكلام هنا يعنى:

1- الكفاف فى القوت: أى الدخل المادى الذى تقوم عليه الحياة من مسكن ومأكل ومشرب....

2- الكفاف فى الكسوة: أى الثياب المقبولة اجتماعياً.

3- الكفاف فى كل شىء: أى مستلزمات الحياة اليومية، حتى الكفاف فى الأكسجين، فالدراسات الآن تتحدث عن الكثافة السكانية فى كل متر مربع، وما يتبع ذلك من هواء فاسد أو ملوث أو جيد.

4- الكفاف كل حين: أى طول أيام العمر... دون توتر أو قلق!

وهذا يوضح لنا أن المسيحية لا تهدف أبدًا أن نحيا فى شظف العيش، أو فى فقر، أو تعب مادى، أو معيشى، بل أن نحيا حياة طيبة من كل النواحى.

وأذكر مرة سألنى شاب: أمامى فرصة للسفر إلى دولة عربية، فما رأيك؟ أخشى أن أدخل فى محبة المال!!

فأجبته: كم هو مرتبك الشهرى؟

أجاب: 2000 جنيه (كان هذا منذ فترة).

فسألته: هل ستتزوج؟

نعم.

هل عندك شقة؟

لا!

أين ستقيم؟ فى أى حى تقريبًا؟

أنا من مصر الجديدة، ممكن أسكن فى مدينة نصر.

بكم تكون لك شقة تمليك هناك؟

ليس أقل من مليون جنيه (زمان طبعًا!).

متى سيكون لك ذلك؟

لا جواب!!

إذن، سافر إلى الدولة العربية.. الرب رتب لك الفرصة، ليكون لك «الكفاف» أى الشقة ثم الزواج.

أخشى أن أصاب بمحبة المال!

خذ معك مخافة الرب ووصاياه، واجعله سيدًا وقائدًا لحياتك، ولا تخف! ولاحظ نفسك وسلوكياتك المادية وهل فيه ما يتعارض مع وصايا الله؟

ثانيًا: التمتع المنضبط: أى أن نسعد ونستثمر ما عندنا من عطايا وخير، لسعادتنا وسعادة أسراتنا، وخدمة الفقراء. وفى هذا يقول الكتاب المقدس: «يَمنَحُنا كُلَّ شىءٍ بغِنًى للتَّمَتُّعِ» (1 تيموثاوس 6: 17).

والمقصود به أن يكون للإنسان – كلما أمكن ذلك – كماليات الحياة التى أصبحت الآن ضروريات، لأنها تسهل الحياة اليومية، مثل: الثلاجة، والغسالة الكهربائية، والكمبيوتر، وجهاز التكييف، واللاب توب والمحمول... فهذه وغيرها صارت الآن مهمة للإنسان المتوسط، لأنها تجعل حياته أسهل، وإنتاجه أكثر، ولا غضاضة فى ذلك.

ثالثًا: ترف الحياة: ينهانا الكتاب المقدس عن الحياة الترفة والمترفهة، وفى هذا يقول: «أمّا المُتَنَعمَةُ فقد ماتَتْ وهى حَيَّةٌ» (1تيموثاوس5: 6).

ترف الحياة والبذخ والإسراف والمظهرية.. هذه أمور مرفوضه! فالجرى وراء هذه الأمور يجعل الإنسان ينحرف فى اتجاهات خطيرة فمثلاً:

أ- ينحرف عن هدفه الروحى، وهو خلاص النفس.

ب- ويتنازل عن المبادئ وقيم الأديان.

ج- ويسلك فى مسالك تتلف النفس والروح والجسد، فى حفلات صاخبة، ومسكرات، وملاهى تدمر الإنسان فى حاضره ومستقبله وأبديته.

د- وتجعله محبًا للمال دون محبة الله... وهكذا يتعبد لإله آخر غير إلهنا المحب العظيم!

لهذا يقول الكتاب عن الإنسانة المتنعمة، أنها ماتت وهى حية!! أى أنها ماتت روحيًا، حتى وإن كانت حية جسديًا!!

■ ■ ■

القارئ الحبيب...

إن «القناعة» تجارة عظيمة، حينما يكون الرب هو كنز النفس، وهو كنز لا نهائى غير محدود، يشبع قلب الإنسان، فيكتفى بما هو فيه، وبما منحه الله من عطايا، دون طمع أو اشتهاء للغنى، لأن الكتاب المقدس يقول:

- «الذينَ يُريدونَ أنْ يكونوا أغنياءَ، فيَسقُطونَ فى تجرِبَةٍ، وفَخ، وشَهَواتٍ كثيرَةٍ، غَبيَّةٍ ومُضِرَّةٍ، تُغَرقُ الناسَ فى العَطَبِ والهَلاكِ» (1تيموثاوس6: 9).

- «لأنَّ مَحَبَّةَ المالِ أصلٌ لكُل الشُّرورِ، الذى إذ ابتَغاهُ قَوْمٌ ضَلّوا عن الإيمانِ، وطَعَنوا أنفُسَهُمْ بأوجاعٍ كثيرَةٍ» (1تيموثاوس6: 10).

لذلك ليتنا نكتفى بما يعطينا الله، يومًا بيوم، وننمو فى كل عمل صالح، لمجد اسمه القدوس.

أسقف الشباب العام

بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية.