Translate

Saturday, September 18, 2021

انتحار فتاة المول - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 17/9/2021

 انتحرت فتاة تبلغ من العمر 25 عاماً بأن ألقت نفسها من الدور السادس فى أحد المولات الشهيرة، الفتاة تدعى «م. م. هـ» والبالغة من العمر 25 عاماً، وتوفيت صباح اليوم بالمستشفى بسبب توقف عضلة القلب والتنفّس، وقال أحد الأقارب إنَّ الفتاة كانت تعانى من الاكتئاب بسبب بعض الخلافات الأسرية.

هكذا تمت صياغة الخبر الكارثى الصادم، لكن ما وراء هذا الخبر لم نجد له صياغة بعد، ولا فهماً بعد، ولا تحليلاً بعد، نظل نكرر أسطوانتنا التى حفظناها منذ عشرات السنين، نحن شعب متدين لا ينتحر، ونتغافل عن حالات انتحار كثيرة تتم حتى من مراهقين بعد نتيجة امتحان، وفتيات بعد فشل عاطفى، أو مثل الحالة المذكورة التى انتحرت نتيجة عدم تفهّم واحتواء واحتضان من الأهل للبنت، والغريب أن الجدل الذى حدث بعد انتحار هذه البنت المسكينة كان حول جواز الصلاة عليها، وهل يُصلى عليها أم لا؟!، هل هذه هى القضية التى تشغلنا الآن؟ بدلاً من البحث فى أسباب الانتحار وكيفية علاجه، نبحث فى هل هى كافرة أم مؤمنة؟! وقد قلنا وكررنا من قبل إن الإدانة الدينية للمنتحر نتيجة الاكتئاب القاتل الأقسى من السرطان، هى قسوة مع إنسان هشّ ومكسور وبائس.

التعليقات على أى منتحر من قبيل «مات كافراً».. «الشيطان وسوس له».. «انتحر رغم أنه كان بيصلى».. إلخ، هى خلل فهم، فهذا الاكتئاب الجسيم لن تعالجه صلاة أو صيام أو حج أو تناول أو تعميد أو حائط مبكى أو تقديم قرابين لبوذا، إنه مرض وخلل كيمياء وموصلات عصبية فى المخ، وقصة علمية كبيرة لها تفاصيل معقّدة، إنه مسئولية طبيب نفسى وليس رجل دين، والمريض حينها يحتاج إلى دكتور لا واعظ، قرص دواء أو جلسات تنظيم إيقاع مخ وليس خطبة جمعة أو درس أحد، تكفير المنتحر أو عدم الصلاة عليه فى الكنيسة لا يمكن أن أصفها إلا بالقسوة فى التعامل مع هذا الغلبان المنتحر الذى لم يملك من أمر نفسه شيئاً.

لو راقبتم قفزتها التى تردّدت فيها لثوانٍ ثم طارت فى الهواء بكل إصرار على الفناء وعزيمة على الموت، إصرار على التخلص من هذا الوحش الرابض على الصدر، الخانق للروح، المدمر للكيان، راقبوها لكى تدركوا كم هو قاسٍ ذاك الكلب الأسود كما أطلق عليه تشرشل الذى كان مريض اكتئاب مزمن.

عدد المنتحرين فى العالم أكثر من ضحايا الحروب والقتل العمد، 3000 حالة انتحار يومياً، الانتحار هو السبب الأول للموت عند المراهقين والبالغين تحت الـ35، هناك شخص ما ينتحر فى مكان ما فى العالم كل 40 ثانية، الرجال ينتحرون بنسبة ثلاثة أضعاف المرأة، على عكس ما تتخيلون، هناك شخص يحاول الانتحار، ولم ينجح فيه كل ثلاث ثوانٍ!!، أرقام مُرعبة توضّح حجم المشكلة وخطورتها، لذلك أطلقت منظمة الصحة والجمعية العالمية لمكافحة الانتحار شعار connect، care، communicate لدعم المقبل على الانتحار، ليكن هذا شعارنا القادم، التواصل مع المقبل على الانتحار وفهمه لا تكفيره.


Thursday, September 16, 2021

هل إجازة الجمعة فريضة دينية؟ - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 15/9/2021

 الإمارات فى سبيلها لإلغاء إجازة الجمعة وهذا قرار جرىء ومدروس ويدمجك فى عجلة الاقتصاد العالمى، لكنه بالطبع قوبل بجدل ولغط وهجوم، وكأن القرار هو إلغاء صلاة الجمعة وليس عطلة الجمعة!، لكن ماذا لو فكر أى مسئول فى طرح فكرة أن يكون يوم الإجازة الأسبوعية فى المؤسسات الحكومية فى مصر يوم الأحد بدلاً من يوم الجمعة؟، من المؤكد أن اتهامه بالردة والخروج عن المعلوم من الدين بالضرورة سيكون جاهزاً وسيخرج من الأدراج والمخازن وقت تلفظه بهذا القرار!، لماذا؟! لأن تفسيرنا الجاهز لهذا القرار سيكون تفسيراً دينياً شأن تفسيراتنا لكل شىء الآن، فنحن نعيش عصر التمسك بالمظاهر والشكليات الدينية حتى النخاع، والبعد عن جوهر الدين وأخلاقياته ومعنى الضمير الكامن فيه!.

لذلك سنفسر هذا القرار بأنه تراجع ورِدة عن الإسلام، لأننا ببساطة اختزلناه فى هذا اليوم الذى فيه صلاة الجمعة، ولم نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً: ما الرابط أو العلاقة الحتمية بين صلاة الجمعة وبين فرض ووجوب أن يكون كل اليوم إجازة؟!

مَن زار ماليزيا أعظم وأفضل دولة إسلامية نهضت اقتصادياً بالعلم، اعتماداً على مواردها وجهد مواطنيها وإخلاص حاكمها، مَن زارها يعرف أن إجازتها السبت والأحد مثلها مثل تركيا الدولة المسلمة الناهضة الأخرى، ويعرف أنهم يسمحون للموظفين والعمال بنصف ساعة لصلاة الجمعة ثم العودة مرة ثانية للعمل، وترى هناك المساجد ممتلئة وعامرة دون تشنجات أو مظهرية أو اتخاذ هذا الوقت مبرراً للتزويغ وإهمال العمل!

لم ينتقص هذا من إسلام أهل ماليزيا، ولم يجعلهم ملعونين يستحقون غضب الله على هذه الجريمة النكراء، لكن هل إجازة الأحد بدلاً من الجمعة هى التى أوصلت ماليزيا وتركيا إلى هذه النهضة؟، بالطبع لا، ولا يوجد مَن هو بهذه السذاجة ليعتبر أن هذه هى معادلة النجاح لدولة كانت حتى 1981 خارج التاريخ.

ما أقصده من عرض هذه النقطة هو الفلسفة وراء هذا القرار، فأنت حين تريد النهضة واللحاق بركب الحضارة ومحاولة السير بعد العثرات، بل فى حالتنا أستطيع أن أقول السير بعد الشلل، حين تريد كل هذا، لا بد من أن تطرح على نفسك سؤالاً واضحاً، هل الحل هو التقوقع فى شرنقتى أم الانفتاح على العالم؟

إذا اخترت الانفتاح على حركة العالم وقررت أن تنافس وتحلم وتبدع، فلا يصح أن تنعزل ثلاثة أيام عن هذا العالم، فالدول الإسلامية التى اختارت يوم الأحد إجازة لم يدر فى خلدها ولو للحظة أنها تتخذ قراراً دينياً، بل كانت تتخذ قراراً اقتصادياً، فيوم إجازة الجمعة يعنى أن تبتعد عن حركة البنوك والاقتصاد الجمعة والسبت، وعندما تعود الأحد تجد باقى العالم فى إجازة، إذن أنت قررت وبملء إرادتك أن تنام فى بيتك وتشخر ثلاثة أيام وعجلة العالم تدور، لم تكن ترساً يساعد على دوران العجلة، بل قررت أن تكون عصا تعرقل الدوران، أو على أكثر تقدير، متفرجاً على هذه العجلة وهى تدور بقوة وأنت تسخر من دورانها وتصرخ: سرقونى الكفرة... أنا اللى اخترعت العجلة!

تحقيق معادلة التقدم بالنسبة للدول المتخلفة من أمثالنا هو أن نعترف فى البداية بالمرض كمجتمع!، مثلما اعترف مهاتير محمد فى ماليزيا وفتحها على العالم، خاصة اليابان وكوريا، وقال: اتفضلوا سوقنا مفتوح ومستعد بس عايزين مشورتكم وعلمكم، ثم انفتاح وتحويل الثمانى عشرة ديانة وجنسية وعرقاً إلى طاقة إنتاج وعمل بدلاً من أن تتحول إلى ساحة عراك وشجار وتعطيل وشلل.


Tuesday, September 14, 2021

منزل تولستوي ومنزل أم كلثوم - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 13/9/2021

 تولستوى هو وديستوفيسكى أشهر روائيى القرن التاسع عشر فى روسيا والعالم، ولد فى كنف عائلته الأرستقراطية، فوالده كان الكونت نيكولاى تولستوى، أما والدته فكانت الأميرة فولكونسكايا، التى تنحدر من سلالة روريك، أول حاكم فى تاريخ روسيا، تنقل عميد الرواية فى العالم ليو تولستوى فى مدن روسية كثيرة وسكن بيوتاً مختلفة، كنت فى زيارة أحد تلك البيوت أمس التى تقع فى مدينة موسكو، المكتوب عنه فى المتحف، عاش الكاتب فى هذا المنزل ما يقرب من عشرين عاماً، من عام 1882 إلى عام 1901.

تم تجديد المنزل وتأثيثه بناءً على تعليماته الخاصة، لذا فإن زيارة المتحف سترسم صورة كاملة عن حياة ليو تولستوى وعائلته، فضلاً عن أذواقه وعاداته وتقاليده.

بالتأكيد هو متحف للسيرة الذاتية، وفى نفس الوقت مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتولستوى ومخصص لأعماله الإبداعية، على عكس العديد من المتاحف الأخرى التى تم إنشاؤها بشكل مصطنع، كل شىء هنا أصلى وأصلى جداً، انتهى المكتوب ولكن الاهتمام لم ينته، الاهتمام رهيب بكل متعلقات صاحب «الحرب والسلام» و«أنا كارنينا»، موظفون كل مهمتهم ألا تلمس شيئاً من الأشياء التى كان يحتفظ بها هذا العبقرى، هناك تذكرة دخول وتذكرة تصوير وسماعات للشرح، وهناك حديقة رائعة تحيط بالمنزل وتضفى عليه لمسات جنة الإبداع، شاهدت ملابسه وأحذيته ودراجته، مكتبه وأوراقه وخطاباته لزوجته وصفحات من مخطوطاته، مخطوطات سيمفونيات لبيتهوڤن وموتسارت، البيانو الذى كان يعزف عليه، أطباق الأكل، سريره ومائدة طعامه، الملاعق والأقلام.. إلخ، كل شىء متروك كما هو، احتراماً للإبداع والفن وجسارة الخيال، تذكرت حينها كيف تعاملنا مع منزل أم كلثوم، فيلا شارع أبوالفدا بالزمالك التى تم هدمها بعد وفاتها!، كيف تعاملنا مع عود بليغ حمدى ومكتبه والبيانو الذى ألّف عليه أجمل ألحانه!، أين مسودات روايات وقصص نجيب محفوظ ويوسف إدريس؟ أين النوَت الموسيقية لألحان عبدالوهاب والسنباطى؟ أين مخطوطات مسرحيات يوسف وهبى وصلاح عبدالصبور؟ أين الأقلام التى كتب بها شوقى وحافظ والعقاد وسلامه موسى؟ أين نظارة العميد طه حسين؟ أين تراث مبدعينا الثرى؟ الاهتمام والحفاظ على متعلقات وذكريات مبدعينا هى رسائل ضمنية للمواطن أن الإبداع ليس رفاهية وأن الفن ليس تفاهة، وأن الفنان يذوب من أجل هؤلاء، يلمس الروح بعصاه السحرية ويصنع الرقى والمتعة بموهبته التى تستحق الاحتفاء والاحتفال، فى تلك البلاد لم يبرعوا فى فن التحنيط ولكنهم ظلوا محافظين على قبى الفن بشكل عام، هم لا يحنطون مبدعيهم ولكنهم ينفخون فيهم روح البقاء والوجود، لا يصبحون مجرد ذكريات، لكنهم يظلون فعّالين ومؤثرين وأحياء.


Saturday, September 11, 2021

النور من المغرب - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 10/9/2021

 أرسل لى الصديق المثقف المغربى العزيز عمارى محمد هذه الرسالة:

تجربة النظام المغربى مع الربيع الديمقراطى كانت مغايرة، بحيث حاول إدماج حركة الإسلام السياسى فى تحمل مسئولية تدبير الشأن العام، بعد خروج حركة 20 فبراير إلى الشارع للاحتجاج على تردى الأوضاع الاجتماعية والمطالبة بإصلاحات سياسية تُسقط الاستبداد. وتجاوباً مع الوضع، وجَّه العاهل المغربى محمد السادس خطاباً للأمة فى التاسع من مارس 2011 وعد فيه بإصلاحات كبيرة عبر تشكيله لجنة إصلاح دستورى، وأصدر فيما بعد قراراً يتضمن عفواً ملكياً شمل 190 معتقلاً سياسياً وإسلامياً، وقد عُرض فيما بعد دستور جديد للاستفتاء الذى وافق عليه الشعب المغربى بـ98٫48٪ وهو ما اعتُبر حينها بمثابة مأسسة هذه الحركة استجابة لنظرية «إيميل تورين»، التى تؤكد أن نهاية الحركات الاجتماعية فى مأسستها.

مباشرة بعد المصادقة على دستور 2011 جرت انتخابات تشريعية فاز بها حزب العدالة والتنمية (حزب إسلامى) بالرتبة الأولى، وهو ما مكَّنه من تشكيل حكومة برئاسة السيد عبدالإله بنكيران، وقد منحته صناديق الاقتراع فرصة ثانية سنة 2016 وحصل على الرتبة الأولى للمرة الثانية، وهو ما مكَّنه من تشكيل حكومة ثانية، وقد اكتسح فى هذه الانتخابات تقريباً كل المدن الكبرى، وهى فرصة لم تُمنح لحزب قبله فى تاريخ المغرب.

نتائج انتخابات أمس الأول 8/09/2021 غير متوقعة:

هناك تصويت عقابى على حصيلة حكومة الحزب الإسلامى، حزب العدالة والتنمية، بعد عشرية من تدبير الشأن العام كانت كارثية على جميع الأصعدة اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وسياسياً، وحصوله، لحد كتابة هذا المقال، على 12 مقعداً فى البرلمان، بتراجع ملحوظ بالمقارنة مع انتخابات 2016 التى حصل فيها على 120 مقعداً، متراجعاً إلى الرتبة الثامنة بدل الرتبة الأولى، وهو ما يُعتبر نهاية حركات الإسلام السياسى فى المغرب عبر صناديق الاقتراع، التى أظهرت للرأى العام أن هناك طريقاً ثالثاً ممكناً لنهاية تجربة حركات الإسلام السياسى فى تدبير الشأن العام، مؤكدةً الاستثناء المغربى فى إدماج الإسلاميين ونهاية مستقبلهم السياسى عبر قواعد الممارسة الديمقراطية.

وأرسل لى الصديق المثقف المغربى من طنجة عزيز رقراق هذه الرسالة:

ما فعله الشعب المغربى فى الاستحقاقات الأخيرة يُعد سابقة فى تاريخ الدول العربية والإسلامية، حيث عهدنا أن الأحزاب الإسلامية لا يمكن إزاحتها من السلطة إلا بالقوة، وغالباً ما يكون الثمن باهظاً، ما حدث أمس الأول يُعتبر انتكاسة للمشروع الإخوانى القطرى التركى الذى يهدف إلى إضعاف الدول حتى يسهل الهيمنة والسيطرة عليها مثلما حدث فى ليبيا ويحدث حالياً فى أفغانستان.

سقوط حزب العدالة والتنمية فى الانتخابات لا يكفى، فهم استطاعوا أن يتغلغلوا فى مؤسسات الدولة كالصحة والتعليم والقضاء، لهذا سنعمل جاهدين من أجل طرد أزلام قطر وتركيا من دواليب الدولة التى احتلوها فى العشر سنوات الماضية عندما كانوا يمسكون بزمام الأمور.

ما حدث بالأمس يجب أن يكون عبرة لكل كاتب أو مفكر أو مثقف يشعر بالإحباط من عدم نضج الثمار التى زرعها فى المجتمع.

عليه أن يشتغل أكثر دون كلل أو ملل.. فثمار التنوير أشبه بثمار النخل لا تنضج إلا بعد حين.


Friday, September 10, 2021

سقوط الإخوان في المغرب - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 9/9/2021

 مبروك للمغرب، سقطت الفاشية الدينية سقوطاً مدوياً فى الانتخابات المغربيةً، فقد تكبّد حزب العدالة والتنمية، المحسوب على تيار الإسلام السياسى، كما ذكرت «بوابة الأهرام»، هزيمة قاسية فى الانتخابات البرلمانية المغربية، بعد 10 أعوام قضاها فى رئاسة الحكومة، لصالح حزب التجمع الوطنى للأحرار برئاسة عزيز أخنوش، وتصدّر حزب التجمع الوطنى للأحرار نتائج الانتخابات بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395 بعد فرز 96 فى المائة من الأصوات حتى وقت كتابة هذا المقال، أما حزب العدالة والتنمية، الذى وصل إلى رئاسة الحكومة فى 2011، فسجل تراجعاً مدوياً، إذ انخفضت حصته من 125 مقعداً فى البرلمان المنتهية ولايته إلى 12 مقعداً فقط فى البرلمان المقبل، من ضمن المدن التى طردت الإخوان شر طردة وفضحتهم وعرتهم كانت مدينة طنجة التى زرتها منذ ثلاث سنوات تقريباً وجلست مع شبابها المثقف المستنير وكنت متأكداً وواثقاً من أن شرارة التنوير ستنطلق من طنجة التى تتنفس حرية البراح التى اكتسبتها من امتداد البحر والمحيط اللانهائيين، خسر حزب العدالة والتنمية كل مقاعده البرلمانية فى مدينة طنجة، شمالى المغرب، بعد فرز 94 فى المائة من أصوات الناخبين.

ما أسعدنى أيضاً هو فوز الممثلة والفنانة المغربية فاطمة خير بمقعد برلمانى وهذا يؤكد قيمة الإبداع ودوره فى التنوير، وأن التنوير شبكة وسلسلة متصلة الحلقات، فى نواتها وفى القلب، الفن والعلم، وكان رئيس الوزراء الفرنسى السابق مانويل فالس قد عبَّر قبل أيام من الانتخابات عن تفاؤله بإسقاط حزب العدالة والتنمية فى الانتخابات التشريعية المرتقبة، «فالس» اعتبر أن انتصار الحركات الإسلامية فى بعض الدول قد أعطى دفعة للحركات الإسلامية المتطرفة والإرهابية فى آسيا وأفريقيا، لكن ما يحدث فى المغرب «يبعث على التفاؤل»، متوقعاً خسارة حزب العدالة والتنمية ذى التوجه الإسلامى، وفوز حزب التجمع الوطنى للأحرار بقيادة أغنى رجل فى المغرب عزيز أخنوش، بحسب المسئول الفرنسى السابق، فإن فوز أخنوش سيسهم إيجابياً فى العلاقات المغربية الأوروبية والفرنسية خاصة، كما سيمنح بديلاً فى المنطقة، عبر إنهاء حكم الإسلاميين، بعد 10 سنوات من الحكم منذ الربيع العربى.

وكان «فالس» قد تحدث عن مشاريع أخنوش وتوجهه، مؤكداً أن وجود شخص بفكر حديث وعصرى ورجل أعمال وصاحب أفكار استراتيجية سيسهم بشكل واضح فى تحسن العلاقات وتطويرها مع المغرب، وكان المفكر المغربى سعيد ناشيد قد لخص أسباب الفوز السابق للعدالة والتنمية قائلاً: «ثمة تهميش مريب للمثقفين العقلانيين لقاء رهان خطر على أشباه مثقفين فاشلين وجشعين، وفوق كل ذلك ثمة قوى نجحت فى احتكار الكلام باسم الإسلام بعد أن قدمت نفسها حيناً من الدهر كمدافع عن إمارة المؤمنين ضدّ العلمانيين واليساريين والتقدميين، عموماً، إنها لعبة الابتزاز باسم الدين، وقد لا يكون من قبيل الصدفة أنه لم يعد هناك حديث عن أى مشروع حداثى ديمقراطى كما كان فى بداية عهده، لكن، لا ننسى أيضاً أزمة البدائل فى الدولة والمجتمع على حد سواء، هنا لدىّ رسالة واضحة، حين تكون أولوية الدولة تضييق الخناق على المثقفين العقلانيين، أو محاولة تعويضهم بأشباه مثقفين فاشلين وجشعين، فلا غرابة أن تجد نفسها مكشوفة أمام غزو الغلاة فى ساعة التمكين».

مبروك للمغرب الانتصار على سماسرة الدين.


Wednesday, September 8, 2021

دروس يحيى حقي - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 8/9/2021

 عندما يتحدث يحيى حقى لا بد أن تنصت، ليس فقط لمضمون الكلام، ولكن أيضاً لجرس اللغة وإيقاع الكلمات وانضباط مخارج الألفاظ، كان حوار معه أجرته المذيعة الرائعة أمانى ناشد، شاهدته بالصدفة على قناة «ماسبيرو زمان»، تجمدت أصابعى على الريموت، وظللت مشدوداً إلى عذوبة حوار هذا الرجل الرقيق البسيط الذى برغم حجم جسده الضعيف، بدا لى عملاقاً ومارداً خرج من بركان حاملاً شعلة النار المقدسة، نار المعرفة.

امتد الحوار حتى وصل إلى كلامه عن الأديب نجيب محفوظ، والذى قاله تطوعاً وليس رداً على سؤال عنه أو عن رواياته، فجأة وجدته يذكر تلك الجملة العارضة عن نجيب، وفجأة وجدتنى أصفق وحدى وأقف احتراماً لهذا الرجل العظيم، قال حقى للمذيعة: «نجيب محفوظ مفخرة من مفاخر مصر، وهو يساوى كبار كتاب العالم وليس مصر فقط، وأنا سعيد بأننى أعيش جيل نجيب محفوظ، وعصر نجيب محفوظ».

ما هذه الروعة؟ وما تلك العبقرية؟ وما هذا التواضع؟ كيف تضافر الإبداع الذى دائماً ما يربطونه بالنرجسية مع كل هذا التصالح مع النفس، وكل هذه الفرحة وهذا الاحتفاء بالموهبة؟ توقع يحيى حقى «نوبل» لنجيب محفوظ، وكانت نبوءة كشاف جواهر وغواص لآلئ، دروس يحيى حقى التى نتعلمها من هذا الحوار وأيضاً من حياته ومسيرته الإبداعية كثيرة، ليس التواضع أو التصالح فقط، فقد فعلها مع صلاح جاهين فى دراسة ضخمة عن عبقرية الرباعيات التى لم تستقبل وقتها بالاحتفاء الذى تستحقه وتعامل معها البعض على أنها شخبطات فضفضة جاهينية لا ترقى لمستوى القصائد الطويلة.

من دروس يحيى حقى الاهتمام بالاقتصاد والاختزال فى اللغة وحذف الزوائد التى تثقل كاهل الكاتب، عبقريته أيضاً فى الجمع العجيب ما بين ابن البلد والخواجة فى نسيج واحد متضفر بشكل طبيعى ومدهش، ثقافة فرنسية رفيعة حتى النخاع، وثقافة عربية رصينة وامتلاك متمكن لناصية اللغة وكأنها تسبح مع كرات الدم، نبيل فرنسى بالردنجوت والبابيون، وابن بلد بالجلابية والقفطان.

لم يحبس نفسه فى إطار القصة فقط، ولكنه كان الفنان الشامل الذى يتذوق كل الفنون وبعمق، تقرأ كتاباته عن الموسيقى فتحس أنه مايسترو ضل طريقه إلى الأدب، وكذلك الفنون الأخرى من مسرح وباليه وفن تشكيلى.. إلخ.

درس مهم آخر عدم افتعال الإبداع والرهان على إنصاف التاريخ، عندما لم يجد شيئاً يكتبه وضع القلم وكف عن الكتابة، فالكتابة عنده ليست لمجرد الوجود وأكل العيش بل هى رسالة لا بد أن تؤخذ بجدية لا باستخفاف، كان ينشر فى جريدة التعاون محدودة التوزيع برغم أن أشهر الجرائد كانت تتسابق على أن يخصها بمقالاته، لكنه فضل أن يكتب فى هذه الجريدة وراهن على جودة المكتوب وليس شهرة النافذة الصحفية، وها هو التاريخ ينصفه ويجعل أحد تلاميذه وهو الناقد الكبير فؤاد دوارة يكرس وقته وجهده لتجميع مقالاته وأعماله، ليظل يحيى حقى حياً وحقيقياً.


Tuesday, September 7, 2021

المستطيل الأخضر وجهنم الحمراء - د. خالد منتصر - جريدة الوطن - 6/9/2021

 هل يتحول المستطيل الأخضر إلى جهنم الحمراء؟ ما يحدث فى ملاعبنا وإعلامنا الرياضى يفرض علينا هذا السؤال، وأظن أن الوضع لو استمر على هذا الاحتقان العبثى ستشتعل الأمور، ويحدث ما لا تحمد عقباه، ويتحول الأخضر إلى لهيب نار أحمر مستعر، خُلقت الرياضة للتنافس الشريف، وصُنعت كرة القدم للمتعة أولاً ثم تحولت إلى صناعة وبيزنس، وبالطبع كل العالم يوجد فيه شغب ملاعب، لكنه شىء مؤقت وعارض ولم يدخل فى بنية المجتمع كثقافة، لكن المشكلة فى مصر أن هذا الاحتقان لم يعد داخل المدرجات فقط، ولم يعد وقتياً، ودخل فى تلافيف نسيج المجتمع العقلى والفكرى، التلاسن الذى نراه بشكل هستيرى ما بين جماهير أكبر فريقين فى مصر، والذى دخلت فيه النخبة ومثقفوها وقواها الناعمة، ليس مجرد تشجيع حماسى مبرّر بطبيعة التشجيع الكروى، ولكنه اختلط بإهدار قيم المفروض أن تحتفظ بالثبات، لأنها دعامة المجتمع الوطنية والإنسانية والاجتماعية.

تلاسن الألتراس انتقل من الدرجة الثالثة إلى كريمة الكريمة المؤثرة بجميع أطيافها، فى زلزال وخضم إهدار القيم، انفجرت بلاعة من الخطايا وظهرت على السطح طحالب عفن سلوكية مرعبة، صار التنمّر على لون بشرة لاعب والخوض فى شرفه وشرف عائلته شيئاً طبيعياً، صار لاعب يسب الجماهير بأبشع السباب أو يبصق على مدربه، صار الدعاء بالهلاك والموت نشيداً قومياً لجماهير الكرة إذا غضبوا، صار المثقفون يشطبون على فضيلة التفكير النقدى التى يتميزون بها ويتبنون التفكير المطلق الإقصائى الذى يبحث عن التبرير لا عن الحقيقة، أطنان من الحبر فى المقالات وساعات من الصراخ والجعير فى الفضائيات، واستدعاء أحداث قديمة كسر فيها لاعب لاعباً آخر أو اعتدى على مدرب، ولت وعجن واجترار غريب، شحن ساعات هواء وشحن عصبية وعدوانية متفجرة، والمشكلة الأخطر أن تلك الثقافة الكروية التى تخاصم المنطق والعقل هى الثقافة التى تمهد للفكر السلفى المطلق صاحب فلسفة إما أنا وإما أنت، وللأسف ومن على أرض الواقع ومتابعة صفحات معظم المتعصبين فى شباب ألتراس الفريقين، خاصة أبناء الريف منهم، ميول معظمهم إخوانية سلفية تكفيرية جهادية، وعلى صفحات بعضهم تحريضات صريحة، ومنهم من كان مع «حازمون»، ومنهم من كان مع «خيرت الشاطر»، لذلك فإن العوم مع تيارهم ومغازلتهم من جانب النخبة والمثقفين والمفكرين ورجال الأحزاب والسياسة والإعلاميين وغيرهم هو لعب بالنار، وعدم تحمل مسئولية وطن من الممكن أن يحترق فى أى لحظة بسبب تلك المهاترات.

الصراع من أجل التريند وكعكة الإعلانات من الإعلام صار تشريحاً وضرباً فى قواعد هذا المجتمع الذى يخصم من إنسانيته وتماسكه مع كل ضربة معول تعصب رياضى، هناك طاقة شباب لا بد أن تجد منفذاً، ابحثوا عن منافذ و«منافس» بديلة لهؤلاء، لن ننتظر حتى يصل الأمر إلى حرب شوارع وخناقات سيوف وتصيّد فضائح إنترنت، الوعى مش ناقص تسطيح!