Translate

Saturday, May 28, 2022

اعرف زمانك (1) - الأنبا موسى - المصري اليوم - 29/5/2022

 من الملامح الأساسية التي يجب أن يتسم بها الشباب، أن «يعرف زمانه» بحسب تعبير القديس أنطونيوس، بمعنى أن يكون واعيًا بالعصر، نحن في عصر العلم، والاتصال، والتداخل، والمادية، وانحلال القيم، والضغوط، والحرية.. ولابد من أن يتعامل شبابنا- ونتعامل معهم- بطريقة تجعلهم متأصلين في علاقتهم بالله، ويشعرون بانتمائهم لمصر، ويعيشون عصرهم دون التخلى عن تراثهم، ويتفاعلون مع مجتمعهم، ويكرزون بقدوتهم.


وهذه بعض ملامح السنوات التي نعيشها، ولا أقول العصر الذي نعيشه، لأن هذا العصر تتغير ملامحه تمامًا وجذريًا كل بضع سنوات، ويمكن كل بضعة أشهر، إن لم يكن أقل، بل كل بضعة أيام، وبالتالى يحتاج إلى متابعة واعية بالفكر والروح، والمراجعة المستمرة.
فمن غير المعقول في ضوء التقدم التكنولوجى الهائل ألا يكون الشباب شاعرًا ودارسًا للعصر الذي يعيش فيه، بما يتسم به من ملامح واتجاهات وصراعات، يستحيل أن يحيا الشباب من الجنسين بمعزل عنها، دون أن يؤثروا فيها أو يتأثروا بها.

1- عصر العلم:

فالمنجزات العلمية في هذا العصر جاءت مذهلة كثمرة لتراكمات الدراسات السابقة، والبحوث التي اجتهد فيها آلاف العلماء، على مدى الزمان. وكما تقول الإحصائيات كان عدد علماء القرن العشرين يساوى عدد العلماء في القرون السابقة، فماذا عن القرن الواحد والعشرين!! وإن الطاقة المستخدمة في هذا القرن أكثر من الطاقة التي استخدمها العالم عبر تاريخه الطويل.

الحروب الآن لم تعد أرقام بشر، أو كمية أسلحة ومعدات عسكرية، بل إنجازًا علميًّا في مجال التجسس والتشويش، وإعادة طبع الشفرات، والحروب البيولوجية، وربما الفيروسات والأمراض.. وما إلى ذلك.

بحوث الفضاء جعلت إمكانية التعامل مع الأرض ككرة صغيرة سواء في التصوير أو البث، أو ربما توجيه الصواريخ أو إعادة توجيهها إلى من أطلقها لتنفجر فيه.. جعلت كل هذه أمورًا ممكنة.

الوصول إلى القمر، والصراع حول الكواكب، ودراسة المناخ، وها هو مؤتمر تغير المناخ، الذي يقام تحت رعاية فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى، والذى سوف يُعقد في مصر في نهاية هذا العام إن شاء الله، ومشروعات تحلية البحار، والزراعة بالطائرات، والازدهار التكنولوجى والإنسان الآلى، والهندسة الوراثية، وأطفال الأنابيب، وتأجير الأرحام، والجديد في الطاقة، وشبكات الكمبيوتر، وفيروس الكمبيوتر، ومواقع التواصل الاجتماعى.. هذه كلها تجعل شباب العصر محتاجًا إلى:

أ- الوعى بهذا الكم الهائل من المنجزات.

ب- استثمار هذه المنجزات في الحياة، لخدمة الإنسان.

ج- مع الأخذ في الاعتبار مناقشة الموقف الدينى والإنسانى والأخلاقى من كل هذه الأمور.

2- عصر الاتصال:

منذ فترة وجيزة وصلت إلى مصر قناة ال‍ C.N.N التي تعمل 24 ساعة يوميًا، مقدمة لنا: أخبار العالم لحظة وقوعها بالصوت والصورة، تعليقات مختلفة عليها، مغرضة أو صادقة.. وأخبار المجتمعات المختلفة الغربية غالبًا، بكل ما فيها من أمور تخالف التقاليد المصرية والأخلاقيات والدين.. إعلانات مثيرة تفتح لدينا الشهية الاستهلاكية، فنشترى ما لسنا بحاجة إليه.. وهكذا.

وها المزيد والمزيد من البث التلفزيونى، الذي يقدم وسيقدم لنا ما هو أخطر على حياتنا وأسرنا وأولادنا من قيم غريبة، تتجه نحو المادة والجسد والعنف، أكثر مما تتجه نحو الروح والأخلاق والفضيلة.

وها هي تقتحم هذه المشاهد بيوتنا دون استئذان، في المشاهد غرائز الجسد والعنف. وثمار هذه المواد التلفزيونية واضحة في المجتمعات الغربية.

ورغم أن ثورة الاتصال لها إيجابياتها بالطبع كسهولة الحصول على المعلومات والعلوم، وسهولة توصيلها إلى الغير عبر وسائل التواصل الاجتماعى.. إلخ، إلا أن المطلوب هو كيفية استثمار هذه الوسائل لما فيه خير للإنسان والإنسانية، وخدمة للرب.

إذن المطلوب هو استغلال أمثل لهذه الوسائل، بعد دراسة جيدة لتنقيتها، وكيفية صيانتها واستخدامها.

3- عصر التداخل:

لم يعد ممكنًا أن يحيا الإنسان في جزيرة معزولة عن العالم.. بل حتى الدولة نفسها، أصبح مستحيلًا أن تحيا في حالها، دون تداخل أخبار وحضارات وثقافات وقيم الدول الأخرى.

إن المادة الإعلامية المبهرة أصبحت أخطر مستعمر للشعوب، والغزو الثقافى الذي تقوم به أصبح أخطر من الغزو العسكرى.

لقد عفا الزمن على الغزو العسكرى، وجاء أوان الغزو الاقتصادى والإعلامى.. تفتح الراديو أو التلفزيون، خصوصًا بعد البث المباشر، وقنوات التواصل الاجتماعى، فتجد خلطًا إعلاميًا عجيبًا: الدين والأخلاق، والعلم، والثقافة، والفن، والأدب.. هذه كلها مختلطة مع الإباحية والمادية والجريمة والعنف والتدنُّس.. برامج تدعو إلى التدين، وأخرى إلحادية أو ضد الدين وضد الله.. كلها تختلط معًا: في الإعلام والصحافة ووسائل التواصل الاجتماعى والكتاب والشريط.

... لهذا يحتاج الأمر إلى بنيان وتأصيل لشبابنا، ليستطيع بجذوره الراسخة: دينيًّا ومصريًّا وحضاريًّا، أن يواجه هذا الطوفان الإعلامى الهادر، ويقف شامخًا بدينه وإلهه ومبادئه فوق كل المؤثرات والمعثرات.

.. نحتاج أن نبنى شبابًا يتعرف على إلهه، ليعيش به وله، ويقتنى روحه، ويسترشد بوصاياه، ويشبع بنعمته، وهكذا تصير له رسالة إيجابية بناءة، وأن يقف ضد الخطيئة، لا أن يخضع لها صاغرًا، وذلك بقوة الله تعالى.. له كل المجد إلى الأبد آمين.

No comments:

Post a Comment