Translate

Friday, April 21, 2017

رامى جلال - الانقراض السادس للإعلام المصرى - جريدة الوطن - 21/4/2017

مر كوكب الأرض بخمسة انقراضات كبرى، لأسباب متباينة، فى خمسة عصور جيولوجية مختلفة، كل منها أنهى جزءاً من الحياة، وكان ثالث الانقراضات هو الأعنف والأشرس وسمى «الموت العظيم»، وقضى على أكثر من 95% من أشكال الحياة على الأرض، وكاد أن يُحول كوكبنا إلى كوكب «زهرة» آخر، كرة قاحلة شديدة السخونة.. الإعلام المرئى المصرى مر بمراحل انقراض خمس أيضاً!
منذ انطلاق التليفزيون المصرى ولمدة جيل كامل (33 عاماً)، كانت له السيادة الكاملة والريادة المطلقة، على الشرق الأوسط بالكامل.. قام التليفزيون على أكتاف عظماء الإذاعة.. وكانت أسماء برامجه تتحدث عن نفسها: «فن وفكر»، «من صفحات التاريخ»، «الجديد فى العلم»، «العالم يُغنى»، «مجلة المرأة»، «سينما الأطفال»، «الكاميرا فى الملعب».. وأظن أن برنامج «أقوال الصحف» للرائع «حمدى قنديل» كان هو بذرة برامج «التوك شو» الحديثة.
ظهر المبدع «طارق حبيب» الذى قدم مجموعة برامج مميزة مثل «أهلا وسهلاً»، و«من الألف إلى الياء»، و«اتنين على الهواء»، و«أوتوجراف»، و«فلاش». وهى برامج يتم سرقة أفكارها حتى اليوم (مثل: شكل عيادات الأطباء ومرور الضيف على أقسامها، وسؤاله تبعاً لترتيب الحروف الأبجدية، ورسم الكاريكاتير على الهوا، وغيرها).
أما المذيعات فكن مميزات، مثل: «سلوى حجازى»، «أمانى ناشد»، «همت مصطفى»، «ليلى رستم»، «فريدة الزمر»، «فريال صالح»، «سلمى الشماع»، «نجوى إبراهيم»، «أحلام شلبى».
كما تم إنتاج المسرح عبر «مسرح التليفزيون» الذى تشكل من عشر فرق فى أربع شعب هى: «المسرح الحديث» و«المسرح العالمى»، و«المسرح الكوميدى»، و«مسرح الحكيم».
انقرض كل ما سبق أوائل التسعينات، حين اهتمت الدولة بكم القنوات على حساب الجودة، وأصبحت السيادة والريادة مجرد جملة يرددها وزير الإعلام آنذاك.. وفى الوقت ذاته خرجت للوجود شبكة «إيه آر تى» (على يد عمدة الصناعة «أسامة الشيخ»)، وكانت تحدياً لم تتمكن مصر من مجابهته، وظهر الشكل الحديث للتوك شو على يد «هالة سرحان» بمعاونة صحفيين مميزين مثل «وائل الإبراشى» و«محمد هانى». وأصبحت جرعة الإثارة أكبر من أن يتركها المشاهد ليتابع قنوات التليفزيون البائسة. فضلاً عن ظهور قناة «الجزيرة» الإخبارية.
جاء الانقراض الثانى بحلول الألفية الجديدة، حيث انطلقت القنوات الخاصة وفى مطلعها «دريم» (على يد «أسامة الشيخ» أيضاً). والمفارقة هنا أن بطلى المرحلة كان أولهما «حمدى قنديل» نفسه ببرنامجه «رئيس التحرير» على «التليفزيون المصرى» ثم على «دريم». وثانيهما «محمود سعد»، النسخة الأحدث من «طارق حبيب».
حدث الانقراض الثالث والأخطر مع ثورة يناير وأصبح عدد الشاشات بالمئات، وهو إغراق أفسد الصناعة تماماً، وسمعنا عن مذيعين ضعفاء يتقاضون ملايين الجنيهات فى مقابل رفع صوتهم وخفضه والخلط بين المذيع والزعيم والمونولوجيست! أما الانقراض الرابع فجاء بعد ثورة يونيو حيث تم التخلص من عدد من «الرؤوس» التى شكلت المرحلة السابقة ليبدأ الآخرون فى الانتباه.
الانقراض الخامس يحدث الآن وسيأخذ بعض الوقت، وذلك عبر إغلاق القنوات الصغيرة، مع دخول أخرى فى تكتلات معاً، علاوة على إطلاق مجموعة قنوات كبرى بتقنيات متطورة ومحتوى عام أكثر اتزاناً لا يميل للخبر أو للسياسة فحسب.
يقول العلماء إن كوكب الأرض سيواجه يوماً ما موجة انقراض سادسة، وأزعم أن الإعلام كذلك سيتعرض لمثل هذه الموجه قريباً، وستتبدى ملامح العصر الجديد فى رفع سطوة الصحافة عن التليفزيون، وعودة «المُعد» (وليس الريجيسير «أبوأجندة» بأرقام تليفونات)، مع ظهور الفرق الإبداعية -من غير الصحفيين- والتى تبتكر فقرات مميزة، مع إلغاء المسميات الصحفية مثل رئيس التحرير ومدير التحرير.. فاستعدوا.

Thursday, April 20, 2017

خالد منتصر - «برهامى» حامى الكنائس وحبيب الأقباط!! - جريدة الوطن - 20/4/2017

خرج علينا د.ناجح إبراهيم بمقال فى «الوطن» منذ يومين يبجل ويعظم فيه د.ياسر برهامى، قائلاً: «كلما حدث تفجير أو اغتيال تخرج بعض الصحف تنادى بالقبض على د.ياسر برهامى، وكأن الرجل كان أميراً لـ«داعش»!! يا قوم.. كونوا منصفين وعلميين، تاريخ د.برهامى وتلاميذه خالٍ تماماً من العنف، لم يقُم أحدهم بتفجير أو حمل سلاح أو تسبب فى العنف أو التحريض عليه. د.برهامى وأتباعه مع غيرهم هم الذين حموا الكنائس فى مدينة الإسكندرية بعد ثورة 25 يناير، أىّ مسلم أو مسيحى فقير أو يتيم يدخل عيادة د.برهامى أو أشقائه الأساتذة بكلية الطب لا يدفع شيئاً، كل الفقراء حوله يحبونه وتلاميذه الأطباء يقلدونه فى ذلك»!!، معلومة رهيبة ينقلها لنا د. ناجح إبراهيم فى مقاله، أمسكوا أعصابكم د. ياسر برهامى هو الذى حمى الكنائس بعد الثورة!! تكبييير، و«برهامى» يكشف فى عيادته على أطفال الأقباط مجاناً!!!، تكبيييييير!!، «برهامى» الذى وصف النصارى بالكفر والإجرام، وأوصى تلاميذه بأن من يتزوج مسيحية ينام معها ويمارس الجنس وهو يبغضها بدون مودة، وأعطى مثالاً بأن المغتصب يستمتع بالمغتصبة دون حب أو عاطفة!!، «برهامى» الذى أفتى بحرمة علامة السيارة الشيفروليه لأنها تشبه الصليب ومنع سائق الميكروباص من توصيل القسيس لكنيسته وحرم تهنئة النصارى بعيدهم.. إلخ، هذا الرجل هو نفسه الذى حمى الكنائس وعطف على أطفال الأقباط حسب رواية د.ناجح!!، أعتقد أن المقال المقبل سيذكر فيه د. ناجح أن «برهامى» كان يعمّد الأطفال المسيحيين بنفسه فى العيادة ويحفّظهم الترانيم الكنسية فى حجرة الكشف!!!، أرجوك يا د.ناجح احترم عقولنا، فالدكتور برهامى صديقك السكندرى فعل ما هو أخطر من حمل السلاح، فهو قد زرع الألغام الفكرية، وحشا عقول أتباعه بكراهية المسيحيين ونشر أفكار عداوتهم وعدم قبولهم كالسرطان فى جسد المجتمع، الانتحارى بالفعل حضر من قنا لتفجير كنيسة الإسكندرية، ولكن أفكاره قد تشكلت عندكم فى الإسكندرية حيث جمعية «برهامى»، الذى كان يفاخر بأنه قد خدع العلمانيين فى دستور الإخوان ووضع مواد الدولة الدينية!، تريدنى أن أصدق أن طبيب الأطفال المؤمن بأن طفلة الست سنوات ما دامت تطيق الوطء والنكاح، فحلالٌ أن يتزوجها من هو فى مثل سنه!!، إذا كان هذا رأيه فى الطفلة المسلمة التى يتعامل معها كدمية جنس، تريدنى أن أقتنع بأنه يتعاطف مع الطفلة المسيحية!!، همسة فى أذن د.ناجح، التوبة الحقيقية ليست مجرد وعد شفوى أو مكتوب لوزارة الداخلية، وإنما هى توبة عن الأفكار السلفية الوهابية التى ذهبت بمصر إلى قاع الجحيم!!.

خالد منتصر - فضيلة الإمام: هل ستجدد الخطاب بمحمد عمارة؟! - جريدة الوطن - 19/4/2017

قلنا وكررنا ووضّحنا مراراً وتكراراً أنه لا خصومة ولا معركة مع الأزهر، الكيان التاريخى، ولكنه مع التيار الوهابى الذى يريد اختطافه، هناك تيار الشيخ شلتوت وعبدالمتعال الصعيدى وأبورية وسعد هلالى، وهناك تيار عمر عبدالرحمن والبر، مفتى الإخوان، والآن تيار شومان وحسن الشافعى ومحمد عمارة، ومن الممكن أن يجادلك الأزهرى فى أسماء كثيرة قائلاً: اثبت لى أن فلان ده وهابى أو إخوانى، ومن الممكن أن نقبل هذا الجدل ولا نستطيع حسمه، إلا أن هناك اسماً لا يمكن أن تجادل فى هواه الإخوانى، وهو اسم د.محمد عمارة، الماركسى السابق والقطبى اللاحق!!، وعندما انتقدته فى مداخلة على قناة الـdmc كان الرد من ضيف البرنامج د.الشحات الجندى أن علماء الأزهر كانوا ممتعضين أو مستائين أو غير راضين عن موقف د.عمارة، وأن شيخ الأزهر قد اتخذ قراراً بعزله من منصبه كرئيس تحرير لمجلة الأزهر، لكن هل هذا العزل كان عن اقتناع بأنه لا مكان لإخوانى فى مؤسسة الأزهر أم أنه كان عزلاً بطعم الترقية، واختفاء بنكهة الاحتفاء وانتظاراً حتى تمر الريح، فيبحر قارب «عمارة» بشراع الأزهر ومجداف هيئاته العليا؟!!، المدهش والغريب أن د.محمد عمارة ترك رئاسة التحرير ليظل متربعاً على كرسى هيئة كبار العلماء التى هى بمثابة محكمة النقض فى الأحكام الشرعية والفقهية والرقيب الرئيسى على أنفاسنا وأفكارنا الدينية، التى لا راد لكلماتها وفتاواها، فهى من وجهة نظر الأزهر مرادف إجماع الأمة!، وبجانب هيئة كبار العلماء، فهو كان عضواً فى مجمع البحوث الإسلامية، يعنى امتلك الحسنيين!!، د.عمارة عضو هيئة كبار العلماء، يا فضيلة الإمام، ضيف مزمن على قنوات الإخوان بمداخلاته ذات اللغة الإخوانية المليئة بالحقد والغل الذى تتميز به مداخلات وعبارات عصابة البنا، هل فضيلتك لم تستمع إلى هذه المداخلات؟، هل فضيلتك موافق على ما قاله فى بيانه الذى سماه «بيان للناس» بأن 30 يونيو انقلاب عسكرى باطل شرعاً؟!، هل توافق على تسميته للشعب المصرى بالخوارج فى مداخلة برنامج «الشريعة والحياة» على «الجزيرة مباشر» التى قال فيها لا فض فوه: «إن الإخوان المسلمين هم الحاملون لمشروع النهضة الإسلامية، وهم الأقرب للفكر الإسلامى الوسطى»!!، وهذا معناه أن من يجلس معكم فى اجتماعات هيئة كبار العلماء مقتنع بأن ممثل الوسطية ليس الأزهر، وإنما الإخوان!!، هل تتذكر فضيلتك ملحق عدد مجلة الأزهر، الذى صدر فى زمن د.عمارة شهر شعبان 1436، الذى كان بعنوان «دراسات غربية تشهد لتراث الإسلام» الذى كان يوزع مجاناً مع المجلة الذى يقع فى 232 صفحة كلها إساءات للأقباط؟، هل لا تشاركنى الشك فى أن الانتحارى الذى فجر الكنيسة كان قد قرأ فى كتيب «عمارة» عن أن المسيحية ديانة فاشلة، وأن السبب فى فشل المسيحية هى بذور الضعف التى بداخلها؟!، أتمنى أن يجيبنى الأزهر، وأن تتكرم فضيلتك وتمنّ على شخصى الضعيف بالإجابة عن سؤال مهم، هل الاحتفاظ بالدكتور عمارة، الذى يهاجم الدولة بكل قوة، وإخوانى الهوى بكل حماس، الذى يعتبر حربه ضد الأقباط حرباً مقدسة، هل الاحتفاظ به هو اقتناع بأفكاره، وموافقة عليها، أم أنها مجرد سهو فى غمرة مشاغلكم الكثيرة أعانكم الله عليها؟!!.

Wednesday, April 19, 2017

د. عماد جاد - ازدراء الأديـان - جريدة الوطن - 19/4/2017

جملة عامة مطاطة تسببت فى إيذاء عشرات المبدعين والمفكرين فى بر مصر، كلمتان تسببتا فى إسالة دماء مبدعين ومفكرين مصريين، عبارة قادت إلى هروب أطفال مصريين من قريتهم بمركز سمالوط محافظة المنيا بعد أن استخدمها أحد قضاة مصر ليحكم على أربعة أطفال بالسجن خمس سنوات. كلمتان معلبتان جاهزتان للاستخدام من قبل أى شخص يوجههما إلى أى شخص آخر، فيكون مصيره ما بين السجن أو القتل وإذا تمكن فيكون الفرار خارج البلاد.
تمت صياغة فقرة فى قانون العقوبات تحدد عقوبة من توجه إليه تهمة ازدراء الأديان، وهى الفقرة (و) من المادة (٩٨) من قانون العقوبات. فقرة شديدة القسوة تمت صياغتها بعناية فى عهد الرئيس المؤمن «أنور السادات»، وكان المبرر هو وقف تيار الإساءة للديانة المسيحية بعد أن باتت مستباحة على يد شيوخ التطرف والتشدد، وكانت تتعرض للتجريح ليل نهار على المنابر ومن خلال شاشات التليفزيون المصرى. كتبت صياغة المادة بحيث توجه التهمة إلى كل من يسىء إلى الديانات الإبراهيمية، وكانت النتيجة أن التهمة وجهت باستمرار إما إلى أقباط مصريين بالإساءة إلى الإسلام، أو إلى مبدعين ومفكرين والتهمة ذاتها هى هى، جرى قتل المفكر فرج فودة بعد أن وجهت إليه هذه التهمة، فقد تلقف أحد المتشددين ما قيل من أحد الشيوخ بحق فرج فودة وقام بقتله رمياً بالرصاص، وقضى القاتل سنوات فى السجن إلى أن أفرج عنه محمد مرسى، إلى أن قتل الشهر الماضى وهو يجاهد مع جبهة النصرة على الأراضى السورية. جرى توجيه نفس التهمة إلى العالم نصر حامد أبوزيد، وقضى القضاء المصرى بكفره ومن ثم تطليق زوجته منه، فغادر الرجل وزوجته البلاد إلى أن توفى فى ظروف غامضة بعد زيارة إلى إندونيسيا. جرى توجيه التهمة كذلك إلى إسلام بحيرى وفاطمة ناعوت وغيرهما من الكتاب والمبدعين، ودفع بعض الأقباط ثمناً باهظاً لوجود هذه الفقرة، فقد تمت محاكمة شباب قبطى بهذه التهمة، ولعل أبرز هذه المحاكمات قصة «دميانة» المدرسة التى شهد أطفال دون الثامنة من عمرهم أنهم سمعوها وهى تسىء إلى الإسلام، فألقى القبض عليها وجرت محاكمتها على غرار محاكم العصور الوسطى، أيضاً هناك مدرسون أقباط تم توجيه التهمة إليهم وملاحقتهم قضائياً دون وجود أدلة دامغة على ذلك، ففى حين يقول المبدأ القضائى إن إفلات متهمين من العقاب خير من سجن برىء، إلا أن هذا المبدأ يتوقف تماماً فى حال محاكمة أقباط بتهمة الإساءة إلى الإسلام، فهناك من بين قضاة مصر من يعتبر إصدار حكم مشدد بحق قبطى وجهت له تهمة الإساءة إلى الإسلام، فيه نوع من الجهاد الذى سوف يثاب عليه فى اليوم الآخر.
ولعل القصة الأشهر والأبرز هنا هى قصة أطفال سمالوط الأربعة الذين قاموا بتمثيل طريقة داعش فى قتل ضحاياهم، وجرى ذلك بعد ذبح مواطنى محافظتهم على يد داعش فى ليبيا، فشاهد أحد المدرسين المشهد فتقدم ببلاغ ضدهم على أساس أن ما قاموا به من حركات تمثيلية «مدتها خمسون ثانية» يمثل إساءة للإسلام، ألقى القبض على الأطفال، وقضت النيابة بحبسهم ٤٥ يوماً ووضعوا فى حجز الكبار، فنالهم العقاب الشديد وتعرضوا لانتهاكات بشعة من قبل مجرمين فى الحجز علموا أنهم أقباط موجهة إليهم تهمة ازدراء الإسلام، فقد تحول الجميع فى لحظة إلى مؤمنين تقاة، واعتبروا ضرب هؤلاء الأطفال نوعاً من الدفاع عن الإسلام. بعد الحجز ٤٥ يوماً أخلى سبيلهم بكفالة مالية، فهرب الأطفال خارج قريتهم، وحكم القاضى عليهم غيابياً بالعقوبة القصوى فى هذه المادة وهى السجن خمس سنوات، والمادة تنص على عقوبة مالية تتراوح ما بين خمسمائة جنيه وعشرة آلاف جنيه، أو السجن ما بين ستة أشهر وخمس سنوات، فحكم عليهم القاضى المصرى بالعقوبة الأشد وهى خمس سنوات، فهرب الأطفال واختفوا ولا أحد يعلم أين هم حتى الآن؟
تقدمت الدكتورة آمنة نصير أستاذ الفلسفة بجامعة الأزهر، وعضو مجلس النواب المصرى باقتراح إلغاء هذه الفقرة، وأسست لطلبها فقهياً وفلسفياً، مؤكدة أن المادة تسىء إلى الإسلام وتتصادم مع نصوص القرآن، ولكن ممثل وزارة العدل الذى حضر نقاش اللجنة الدستورية والتشريعية، دافع دفاعاً مستميتاً عن بقاء الفقرة (و) من المادة (٩٨)، مؤكداً أن فى الإبقاء عليها مصلحة لأمن مصر واستقرارها! وانتهى الأمر برفض اقتراح د. آمنة نصير.
وللحديث بقية

Tuesday, April 18, 2017

هل إعلان الطوارئ لمحاربة الإرهاب؟ بقلم د. محمد أبوالغار ١٨/ ٤/ ٢٠١٧ - المصرى اليوم

إرهاب الجماعات الإسلامية غرضه الأساسى هو إقامة الخلافة الإسلامية فى الدول التى بها أغلبية من المسلمين حتى تحكم بتطبيق الشريعة حسب تفسيراتهم الخاصة، هم لا يعرفون أن الدين هو المعاملة والأخلاق والتعاطف والحب، هناك ضرورة لفصل الدين عن الدولة والحكم حتى يمكن أن يحدث تقدم حقيقى للبشرية، وهذا الفصل قد تم فى أوروبا منذ عدة قرون وبدأ بعدها عصر النهضة الثقافية والفنية ثم الصناعية. الإرهابيون والمتطرفون لا يدرون شيئاً عن التقدم فى المعرفة والفلسفة والفن والمنطق. جميع الأديان سوف تظل مؤثراً مهماً فى حياة الإنسان، ولكن الدين يجب أن يكون شيئاً خاصاً بين الإنسان وربه، ولا يمكن أن تؤدى الدعوة للأفكار الدينية وممارستها إلى تأثير سلبى على المجتمع وعكننة حياة الآخرين.
المعركة بين الإرهابيين الإسلاميين أساساً مع الدولة، لأنهم يريدون الاستيلاء على الحكم. ولكنها أيضاً معركة مع دعاة الدولة المدنية من مفكرين وأدباء، وكلنا نتذكر ما حدث لفرج فودة ولنجيب محفوظ.
تطور الإرهاب تجاه المسيحيين المصريين خطوة جهنمية إجرامية تريد تفكيك وحدة المصريين جميعاً وظهور مشاعر كارثية، يريدون تقسيمنا إلى مصريين مسلمين ومصريين مسيحيين، وهو ما يرفضه كل المصريين المدنيين الوطنيين. وبالطبع هم يتمنون طرد المسيحيين كما فعلوا فى العراق ويحاولون فعل ذلك فى سوريا. إن هذا مستحيل فى مصر ليس فقط لأن أعداد المسيحيين المصريين ملايين كثيرة ولكن لأنهم مصريون حتى النخاع يتمسكون بالأرض والحب للوطن وبالمثل يتمسك كل المسلمين المدنيين بهم وهم أغلبية كانت واضحة للمصريين جميعاً بعيداً عن دينهم يوم ٣٠ يونيو.
قانون الطوارئ، الذى أعلنه الرئيس، يُعلَن مثله فى أعظم الدول الديمقراطية، والغرض منه هو تسهيل القبض والوصول إلى الإرهابيين ورصد اتصالاتهم وكشف أسرارهم، ثم محاكمتهم وهو ما حدث مثلاً فى فرنسا. قانون الطوارئ الذى طبق فى أوروبا لم يؤثر على المواطنين العاديين بغض النظر عن أفكارهم السياسية لم يؤد إلى فرض رقابة على الصحف ولا فرض حظر على الأحزاب أو الاجتماعات المدنية ولا حرية معارضة الحكومة ولا نقد رئيس الجمهورية، ولم يخرف رئيس البرلمان الفرنسى ويقول إن الطوارئ فوق الدستور.
لم يصدر الرئيس الفرنسى أمراً إلى البرلمان بتغيير قانون القضاء الفرنسى حتى تسيطر عليه الرئاسة.
فى بلاد العالم الثالث الأمر مختلف، فصدام حسين والقذافى مثلاً كانا يفعلان ما يخطر على بالهما بدون دستور ولا رقابة ولا نظام، بل قام صدام بقتل الوزراء بيده فى اجتماع مجلس الوزراء فى العراق، والقذافى كان يفجر طائرات عن طريق الدبلوماسيين الليبيين ويقتل معارضيه فى إنجلترا. أما فى بلد مثل مصر تعيش سنوات طويلة من الديكتاتورية ولكن بها مسحة ديمقراطية فهناك دائماً دستور وقانون مصرى وبرلمان وكان جميع الرؤساء المصريين يتحدثون دائماً عن الديمقراطية وحقوق الشعب وفى نفس الوقت يقومون بتزوير انتخابات مجلس النواب بطريقة مباشرة أو التلاعب بطريقة غير مباشرة ليكون البرلمان فى جيبهم، ودائماً كان هناك بعض المرشحين يفلتون من قدرات الأمن، خاصة فى المدن، وينجحون ويؤدون دورهم البرلمانى الحقيقى بالدفاع عن الشعب ودائماً كان النظام يكيل لهم اتهامات ظالمة لأنهم يفضحون الفساد والظلم.
وقد قال الرئيس السيسى صراحة، وكتبت صحيفة الوطن على لسانه أن الدستور والقانون لهما مسار محدد يمكن أن يأخذنا فى اتجاه لا نريده، وهو ما يعنى بوضوح أنه لا يحب الدساتير والقوانين التى تريد أن تكون مصر دولة ديمقراطية أو حتى شبه ديمقراطية، ولأنه يؤيد الحكم المطلق بالرغم من أن الشعب المصرى قد وافق بنسبة ٩٩% على الدستور الحالى ولكنه يخترقه ويهمله بصفة منتظمة.
الشعب المصرى يعلم جيداً أن كل الإرهابيين المصريين محاصرون بالشرطة المصرية والمخابرات وكل الأجهزة الأمنية التى تبذل كل ما هو فى وسعها للقبض عليهم. كلنا يعلم أنه لا شىء يقف أمام هذه الأجهزة من قانون أو دستور يغل يدها فى التعامل مع الإرهابيين، وكلنا كشعب معها ونساعدها ونساندها فى القضاء على الإرهاب.
هناك شعور عام عند المصريين بأن قانون الطوارئ ليس للإرهابيين وإنما للمدنيين الوطنيين المصريين الذين يحبون الديمقراطية ومعظمهم كانوا من مؤيدى ٣٠ يونيو والكثير منهم كان مؤيداً للسيسى ولكنهم يتراجعون عن ذلك تدريجياً. كل هؤلاء يعتقدون أن قانون الطوارئ هو لتحجيم الصحافة والإعلام والانترنت وهو أمر تفعله كوريا الشمالية ببساطة شديدة ولكنها أصبحت خارج المنظومة العالمية. وتأثير قانون الطوارئ على السياحة والاستثمار قاتل.
الوطنيون يعترضون على اختراق الدستور ويرفضون إعطاء تيران وصنافير عن طريق مجلس النواب إلى السعودية بالرغم من ثبوت أنها جزء من مصر بحكم نهائى بات وبالرغم من الغضب الجامح عند كل المصريين الذى يفوق كل تصور، والدولة مستمرة فى هذا الإجراء الذى سوف يؤثر على شرعية الحكم وسوف يهدد بانقسام الأمة وسوف يؤدى إلى مشاكل كبرى بين الشعبين المصرى والسعودى ولن يهدأ الأمر إلا بعد أن تستعيد مصر أرضها ولو بعد حين.
السادة والسيدات الذين يديرون أمر الدولة وتشريعاتها أرجوكم أن لا تحولوا أم الدنيا إلى آخر الدنيا.
قم يا مصرى مصر دايماً بتناديك.


خالد منتصر - رسالة من كافر إلى ممثل الأزهر - جريدة الوطن - 18/4/2017

وصلتنى هذه الرسالة من فنان الكاريكاتير الموهوب فيليب فكرى؛ تعليقاً على محاولة بعض المشايخ تصدير الاستسهال والتباسط مع كلمة «كافر» للرأى العام حتى يستقبلها بصدر رحب عند وصف المسيحيين، يقول «فيليب»:
لم أعلم السبب الحقيقى فى لهاث عدة برامج لاستضافة الشيخ «عبدالله رشدى» فور مذبحة أحد الشعانين، فى لقاءات مطولة بصفته المتحدث الرسمى لمشيخة الأزهر، كما لو أن الجراح غير كافية وفى حاجة إلى مزيد من الزيت علها تزداد لهيباً.
خرج علينا فضيلة الشيخ ربما لسبب واحد، وهو أن يؤكد ويزيد تأكيداً أن المسيحى «كافر»، وتوضيحه المكرر، أن المسيحى لا يؤمن برسول الإسلام، إذن فهو كافر به.. كما أن المسلم لا يؤمن بالصليب، فهو إذن كافر بالنسبة للمسيحى.. وفى رده على مداخلة «خالد منتصر» الذى استنكر أقواله، مندهشاً من التوقيت، كما وضح أن استقبال العامة لكلمة «كافر» هو التحقير والإهانة وربما القتل كما ورد فى بعض كتب التراث، فكان رد ممثل الأزهر أن المعنى الفعلى للكلمة هو (الإنكار).. جزاك الله خيراً يا فضيلة الشيخ.
ومن حقى كـ(كافر) -كما يُصر على تسميتى ممثل الأزهر- أن أختصمه أمام الله العلى القدير كأحد المساهمين والداعين لقتلى وأقرانى بدم بارد، مع ابتسامة سمحة وبعض أكلاشيهات.. أخى فى الوطن، والوحدة والوطنية، .... ، وذلك للأسباب التالية.
أولاً.. تفضل الشيخ عبدالله وادعى علىّ (كمسيحى) ما لم أتفوه به.. أننى أرى المسلم كافراً، وهذا غير صحيح ويعد افتراءً منه لسبب وحيد.. باستطاعة الشيخ أن يبحث فى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد (وهو مرجعيتى الوحيدة) على كلمة (كافر)، أو (كفر). لتجد أن 66 سفراً، بـ1189 إصحاحاً، لم ترد فيهم هذه الكلمة (توجد كلمة يُكَفِّر، أى يتوب.. يُكَفِّر عن خطاياه، أو كفارة بمعنى تضحية)، وبالتالى فهذا التعبير ليس فى منهج المسيحية وليس من بين مفرداته، ولا يعنينا بالأساس، وأقسم بالله أننى لم أسمعه قط من مسيحى أو رجل دين مسيحى على مسلم، وحتى فى حال أن مسيحى ترك دينه يقال أنكر المسيح.. فلا يعنينى توصيف غيرى بقدر ما يعنينى خلاص نفسى.. هذا منهج المسيحية.. فأنا لا أرى المسلم كافراً إطلاقاً.. كل ما فى الأمر أنه يخالفنى فى الديانة وهو أمر نراه طبيعياً وله تقديره.. إذن الشيخ عبدالله يدعى بغير ما يعلم.
ثانياً.. ما الهدف من التنقل بين القنوات لإضافة التوصيف المحبب لممثل الأزهر، فى هذا التوقيت بالذات؟ وما الهدف أصلاً من التوصيف؟.. هل المسيحيون فى حاجة إلى زيادة تعريف فقرر فضيلة الشيخ إضافة توصيف يوضح المعنى؟!.. بمعنى: هل نحن عندما نتحدث عن أهل النوبة مثلاً، نوصّفهم بأنهم ذوو البشرة السمراء، أو أنهم عددهم كذا، وصفاتهم كذا...؟.. هل نبحث عن وصف آخر يكمل تسميتهم؟.. ألا يكفى وصفى كمسيحى وفقط؟.. لماذا الإضافة؟.. وما جدواها؟.. هل يود الشيخ عبدالله استخدام المصطلح المحبب إلى قلبه، فتتداول الأخبار هكذا على سبيل المثال.. قام أحد الجهاديين بعملية انتحارية أسفر عنها مقتل عدد 60 قتيلاً من الإخوة المسيحيين الكفرة؟.. هذا ما تريد يا فضيلة الشيخ؟.. لماذا تصول وتجول سعياً للإضافة؟.. هل «مسيحى» وفقط تزعجك؟
ثالثاً.. استدل ممثل الأزهر فى تبرئته لنفسه بأن كلمة (كافر) ليس بها ما يشين، وأن معناها اللغوى (الإنكار)، ببراءة يحسد عليها، وكأننا نسير حاملين قاموس (عبمجيد الصحاح) لاستبيان اللفظ فور نطقه، ناسياً أو متناسياً ما يسمى (دلالة اللفظ) وهو الدكتور الأزهرى العالِم، بمعنى أن هناك مصطلحات يشيع استخدامها بغير معناها اللغوى ويتداولها الناس، والأمثلة كثيرة، ومنها اللفظ المفضل للدكتور عبدالله (كافر)، فإن كان معناه لغوياً (مُنكِر).. فدلالته عند الناس استناداً إلى بعض كتب التراث والثقافة العامة بالتحقير وإلإهانة، وإن قيل فى غير محله يُعد سُبة يعاقب عليها القانون، فلا أعتقد أن يعاقب القانون مَن وصف آخر بأنه (ناكر أو مُنكِر)، كما أن دلالته لبعض الجماعات السلفية والجهادية (المهدور دمه)، كما وصفنا زعيم حزب النور السلفى (د.ياسر برهامى) بأننا أقلية كافرة ومجرمة.
كلمات ممثل الأزهر المقترنة بالابتسامة ووداعة الحديث، تزيد من الفجوة بين الأزهر والمواطنة، كما أنها لا تقل فى إيذائها عن القنابل المُعَدة لاستقبالنا فى كنائسنا.. فاض الكيل.
وأخيراً.. الفتنة نائمة.. لعن الله من أيقظها.

لماذا قبَّلَ البابا أقدامَ المسلمين؟ بقلم فاطمة ناعوت ١٧/ ٤/ ٢٠١٧ - المصرى اليوم


الخميس الماضى، يُسمى فى الأدبيات المسيحية «خميس العهد». وهو اليوم الذى شهدت ليلتُه أمرًا عظيمًا، حين تم القبض على السيد المسيح، عليه السلام، ثم اقتياده ومثوله أمام هيئة القضاة لمحاكمته بتهمة التجديف فى الدين(!)، بعدما أوشى به تلميذُه الخائن يهوذا الإسخريوطى، فحُكم عليه، ظلمًا، بالتعليق بالمسامير الغلاظ على الصليب الخشبى صباح اليوم التالى: «الجمعة العظيمة»، لينزفَ حتى الموت؛ وهنا تتشعّبُ روايتان. وفق أدبياتنا الإسلامية؛ لم يمُت السيد المسيح، إنما رُفع بأمر الله للسماء حيًّا نبيًّا عزيزًا، واستُبدل به الخائنُ يهوذا، ليُصلَب ويموت جزاءَ خيانته سيده. بينما تقول الأدبياتُ المسيحية إنه نزف دمَه الطاهر حتى الموت على الصليب، من أجل أن يفتدى البشريةَ ويحمل عنها خطاياها؛ ثم دُفن، فى القبر، وقام من مواته بعد ثلاثة أيام ليصعد إلى السماء، عزيزًا طاهرًا، وفق الإيمان المسيحى.
فى ليلة الخميس تلك، قبل محاكمته عليه السلام بساعاتٍ قليلة، تناول السيد المسيح العشاءَ الأخير مع تلاميذه الثلاثة عشرة، ثم قام بغسل أقدام تلاميذه جميعًا، ومن بينهم يهوذا، حتى يعطيهم درسًا فلسفيًّا مقدّسًا فى التواضع وقتل الكِبر فى النفس. حيث هو المقدّسُ الأعلى يغسل أقدام من هُم دونه قيمةً ومقامًا ومجدًا وعلمًا.
فى مصر، فى عصور قديمة، كان حكامُ الدولة المسلمون يحتفلون بهذا اليوم العظيم مع أشقائهم المسيحيين من أقباط مصر، فيسكّون عملاتٍ تذكاريةً من فئات مختلفة، من الذهب الخالص، تُوزّع على رموز الدولة، تخليدًا لهذا اليوم. كذلك فى الفاتيكان، احتفل البابا فرنسيس بذكرى ذلك اليوم، الخميس الماضى، بتطبيق نفس الطقس الفلسفى الأعظم الذى فعله السيدُ المسيح، عليه السلام، مع تلاميذه. حيث وقع اختيارٌ عشوائى على اثنى عشر لاجئًا من جنسيات وديانات مختلفة، ثم قام البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان الكاثوليكى، بغسل أقدامهم وتقبيلها بكل تواضع ومحبة، من أجل أن يُعطى للعالم رسالةً ناصعةً فى وجوب شيوع المحبة والتبجيل بين كل أبناء البشرية على هذا الكوكب، مهما اختلفت الألوانُ والمعتقداتُ والأعراقُ والطبقاتُ الاجتماعية. من بين من قام البابا بغسل أقدامهم، ثلاثةٌ من المسلمين، وغيرهم من الهندوس والمسيحيين من طوائف ومذهبيات وأعراق مختلفة.
لماذا قبّل البابا أقدامَ بشر لا ينتمون إليه لا بالقرابة ولا بالنسب ولا بالعقيدة ولا بالعِرق ولا بالهوية؟ لماذا، وهو الرجل ذو المكانة القدسية والسياسية الرفيعة التى تجعل أبناءَ عقيدته يُقبّلون يديه وينحنون أمامه، يقبَلُ أن يخفضَ رأسه عن تواضع وينحنى بهامته حتى مستوى أقدام لاجئين بسطاء، قد يراهم البعضُ مشردين أذلاء، لا وطن لهم، بعدما هُجّروا قسرًا من ديارهم تحت تهديد القتل أو التعذيب؟ وأنا أشاهد ذلك الفيديو رحتُ أتأمل ذلك المشهد الهائل وأحاول أن أصل إلى طرح أبعد من مجرد محاكاة البابا للسيد المسيح والاقتداء بأفعاله القدسية المبجّلة. للحق كنتُ أرى البابا وهو يغسل أقدام المشرّدين ويقبّلها، كأنما كان يُقبّل صنيعةَ الله ويُمجّد ثمرةَ يديه تعالى. الإنسانُ، كل إنسانٍ، هو صنعُ الله وثمرةُ يديه الربوبيتين. فحين تتأملُ زهرةً مشرقةً، وحين تستنشقُ شذاها، وحين تراقبُ فراشةً جميلة تخفق بجناحيها فوق الزهر، وحين تشخصُ فى وهج الشمس البرتقالى أو ضوء القمر الفضى أو تلألؤ النجوم الماسى أو سريان الغيم فى السماء، فكأنما أنت تُمجّد صنع الله الإعجازى وتقول: «سبحان ربى العظيم، ما أبدعَ صنعك!» وحين تُقبّل طفلا فكأنما تقول بفعلك: «سبحان الله العظيم! ما أجمل ما قدّمت للأرض خليفةً لك، ليُعمّر الكون ويُحسن إلى غيره من الناس!». ولكن، حين تقوم بتقبيل أسفل ما فى الإنسان، قدميه، فالرسالةُ تكون أبلغَ وأعمق. كأنما تقول: «ها أنا يا ربُّ أنحنى بجبهتى، وأنا صنعتُك الكريمة، حتى تمسَّ هامتى أحطَّ وأسفلَ ما فى صنعتك الكريمة: قدم إنسان آخر». لهذا تُعلّمنا الأديانُ كافّة أن الكِبر والغرور من سمات التصدّع الروحى وفقر الإيمان فى الإنسان. المؤمن الحقُّ لا يكون إلا متواضعًا وهو عزيزٌ، مهما اعتدّ بنفسه ومهما اعتزّ بكرامته. فالاعتدادُ بالنفس والكرامة لا يتناقض مطلقًا مع التواضع، إنما يؤكده ويُكرسّه ويسانده. فكأنما أراد البابا الحكيم أن يقول لأولئك البسطاء: لا تصدقوا أنك مشردون لاجئون أذلاءُ مطرودون من أوطانكم. فأنتم غالون عند الله، لأنكم صنيعة يديه. كأنما أراد البابا المثقف أن يقول لأولئك الحزانى: لا يعنينى أى المعتقدات تعتقدون، ولا من أى أعراقٍ تنسلّون، إنما أنا أحبكم وأحترمكم وأُجلّ حتى أقدامكم، لكونكم: «إنسانًا». والإنسانُ قيمةٌ عليا فى ذاته، مهما اعتقد، ومهما انتمى، ومهما كان ظرفه السياسى أو الاجتماعى. قبل عامين، غسل بابا الفاتيكان أقدام السجناء، ليقدّم رسالة روحية تقول إن حتى الخطاة المذنبين لهم قدرٌ ومكانةٌ فى منظومة الإنسانية. فى كلمته هذا العام، قال البابا للبشرية: «نحن جميعًا سواءٌ متساوون، مسلمين ومسيحيين وهندوسا، جميعنا أبناءُ الله. وأما الحروب والاقتتالات التى تحدث فى العالم، فليس من صانع لها إلا تجار السلاح الذين يودون أن يزدادوا ثراء على جثامين البشر، وإن فنى العالم. فدعونا ننشر السلام والمحبة بين الناس. لأن الله هكذا يريد».
لشدّ ما نحتاجُ جميعًا أن نتأمل ذلك المشهد المتحضّر فى مجتمعاتنا العربية، فنحبُّ بعضنا بعضًا، ونتواضعُ أمام بعضنا البعض. فالدينُ لله، والمحبة والاحترام والإنسانية للجميع.