Translate

Friday, August 25, 2017

د. عماد جاد - الصلاة فى الشارع - جريدة الوطن - 25/8/2017

لم يجد أقباط قرية «عزبة الفرن» التابعة لمركز أبوقرقاص بالمنيا مكاناً للصلاة بعد أن أغلقت قوات الأمن الطريق المؤدى إلى المنزل الذى كانوا يستخدمونه للصلاة، سوى أحد شوارع القرية لتأدية صلاة ختام صوم السيدة العذراء، مشهد السيدات والأطفال والرجال وهم يصلون فى الشارع وتحت حراسة قوات الأمن من المشاهد المؤلمة، لا سيما فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى. الأقباط جزء أصيل من الشعب المصرى حافظوا على عقيدتهم المسيحية وإيمانهم فى ظروف صعبة للغاية لا سيما فى العصور الأولى والوسطى التى شهدت حكاماً ظالمين فرضوا أحكاماً قاسية على الأقباط وغالوا فى فرض الجزية عليهم حتى وصلت إلى الموتى، فلا يدفن القبطى موتاه إلا بعد أن يدفع الجزية عنهم، مروا بظروف بالغة الصعوبة وفُرضت عليهم اشتراطات مُهينة للغاية ورغم ذلك حافظوا على إيمانهم المسيحى وتحملوا فى سبيل ذلك ما هو فوق طاقة البشر. واستمرت المعاناة فى العصر الحديث إلى أن جاء محمد على الألبانى فركز على بناء دولة عصرية حديثة وجيش وطنى قوى ومن ثم استعان بالأقباط وخفف الضغوط عليهم وألغيت الجزية لاحقاً فى عهد أسرته. عاد الأقباط إلى المعاناة من جديد فى سبعينات القرن الماضى فى عهد الرئيس المؤمن أنور السادات ودولته التى أطلق عليها دولة العلم والإيمان، وتحول الأقباط فى عهده إلى ملف أمنى بحيث بات كل ما يخصهم من شأن جهاز مباحث أمن الدولة، وهو جهاز طائفى بامتياز، بنيته طائفية ولا يلتحق به الأقباط.. قضى مبارك ثلاثة عقود كاملة محافظاً على بنية النظام الساداتى الطائفى وتضخم فى عهده نفوذ الجماعات الدينية من إخوانية وسلفية بل وجهادية.
جاءت ثورتا يناير ثم يونيو لتدفعا بالأقباط إلى قلب العمل العام والنضال من أجل بناء دولة مدنية حديثة، وتفاءلوا كثيراً مع مجىء الرئيس عبدالفتاح السيسى واعتبروا حكمه بداية النهاية لمرحلة المعاناة التاريخية المتمثلة فى التضييق عليهم وحرمانهم من الوظائف العليا، والتضييق على عملية بناء الكنائس وإصلاحها، وتغيير النظرة الأمنية للأقباط وإخراج ملفهم من يد الأمن الوطنى الذى ورث مهام أمن الدولة، حيث تغير الاسم والمسمى وبقى الفكر والأداء كما هو. ما حدث فى قرية عزبة الفرن يحدث فى عشرات وربما مئات القرى المصرية التى لا توجد بها كنائس فيضطر أقباطها إلى السير عدة كيلومترات للصلاة فى أقرب كنيسة أو اختيار منزل من المنازل للصلاة فيه إلى حين الحصول على التراخيص اللازمة لبناء الكنيسة وأيضاً إجراء المفاوضات الشاقة مع المتطرفين المتشددين كى يسمحوا ببناء الكنيسة وربما بعد أن يفرضوا شروطهم. اضطر الأقباط للصلاة فى الشارع وهو أمر مخالف لعقيدتهم، الصلاة القبطية تتطلب مكاناً مقدساً يسمى الهيكل، وللصلاة قواعد تتطلب مكاناً مغلقاً لممارسة الأسرار المقدسة ومن بينها سر التناول.
ما الذى يضير أجهزة الأمن المصرية فى قيام الأقباط بالصلاة فى منزل من منازلهم، فهم لا يزعجون أحداً ولا يحرضون على عنف ولا يطالبون الرب بصب اللعنات على أحد، يصلون من أجل فيضان النيل وجريانه، من أجل البلاد والعباد، من أجل الرئيس والحكومة ومن أجل كل المسئولين، من أجل الأمن والاستقرار. إن مشهد صلاة أقباط قرية عزبة الفرن فى الشارع وفى ظل حراسة أمنية من أكثر المشاهد المسيئة لمصر وصورتها فى العالم، بإمكاننا أن نتعايش مع مثل هذه المشاهد فى زمن الإخوان، أما أن يحدث ذلك بعد 30 يونيو وفى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى فهو من الأمور المحبطة للغاية لا سيما فى ظل عدم تدخل الرئيس بشكل مباشر فى أى من القضايا، من سيدة الكرم إلى أقباط عزبة الفرن، وهو الأمر الذى يخضع لسجال وجدال داخل صفوف الأقباط ويثير غضباً مكتوماً لدى البابا حسب معلوماتى، فمتى تتوقف معاناة الأقباط ومتى يتدخل الرئيس لوقف تجاوزات أجهزته الأمنية بحق الأقباط؟

خالد منتصر - الرسول والشعراء - جريدة الوطن - 25/8/2017

علاقة الإسلام بالشعر علاقة ملتبسة ومتشابكة وكتب فيها الكثير، ومعظم ما كُتب تم تدوينه من وجهة نظر انتهازية للتمجيد والدفاع أو التحقير والهجوم. وأن يقرأ المسلم كتاباً يتناول هذه العلاقة بموضوعية وحيادية فهذه إضافة للمكتبة العربية، كتاب «الرسول والشعراء» تأليف الشاعر الكبير أحمد سويلم، الصادر عن دار دلتا للنشر، كتاب مهم عن تلك العلاقة مكتوب بلغة غير متقعرة، والمهم أنها بقلم شاعر مهم ورقم مؤثر ذى ثقل ووزن لا نستطيع إغفاله فى معادلة الشعر العربى، شاعر باحث عن الحقيقة وليس درويشاً يحاول أن يضع ماكياجاً على ملامح قبيحة. هو لا يتحدث عن الشعر كإعلام فى تاريخ الرسالة، ولكنه يتكلم عنه كفن، لأنه لو تكلم كإعلام فإنه سيتكلم عن خصومات سياسية وقبلية لبست ثوب الشعر، هو يتكلم عن ذائقة الرسول الشعرية ويحللها، الكتاب يؤصل من فترة الشعر الجاهلى ويمتد مستعرضاً شعراء فترة الرسالة. وبالطبع لن أستطيع فى تلك المساحة البسيطة أن أستوعب وأعرض كل الكتاب، لكنى سأستعرض الفصل الخاص بموقف الرسول من فن الشعر نفسه، الرسول هو القائل «إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحراً»، ونظر إلى الشعر على أنه قيمة إنسانية فنية يمكنها أن تساعد فى إذكاء الروح وطهارة النفس وإصلاح المجتمع ونشر القيم، ولكن الرسول نفسه لم يكن شاعراً فما هو السبب؟ السبب والمبرر لنفى الشعر عن الرسول، من وجهة نظر المؤلف أحمد سويلم، أنه ليس من قبيل أن الشعر شر أو أمر غير مستحب، ولكن لأن الشعر الذى ساد وقتئذ لا يجوز أن يكون هو أسلوب الرسالة، والرسول كان قد أقام لحسان منبراً فى المسجد لينشد شعره، ويستمع لكعب بن زهير.. ويستمر المؤلف فى سرد الشواهد والدلائل.
الكتاب إضافة للمكتبة العربية فى هذا المجال الذى لم يطرقه الكثيرون، وبقلم شاعر مخلص للكتابة والبحث، وما زال هذا الموضوع بالطبع مفتوحاً للنقاش، خاصة فى تحليل بعض حوادث القتل التى حدثت لبعض الشعراء، وهذا يحتاج كتاباً آخر.

لا سياسة فى الحكم ولا حكم بالسياسة .. عن المفهوم المبتكر للأحزاب التنموية بقلم د. محمد نور فرحات ٢٥/ ٨/ ٢٠١٧ - المصرى اليوم

نتابع القراءة النقدية لتقرير المسح الاجتماعى المصرى عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية (المجلد السياسى). يتعرض الفصل الأول فى نهايته لرؤيته عن طبيعة ومهمة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى فى دولة ما بعد ٣٠ يونيو.
ينطلق التقرير من مقولة مختلف عليها أن (الدولة المصرية فى مجتمع ما بعد الثورة تجددت وأصبحت دولة تنموية، غير أن الأحزاب السياسية ما زالت أحزابا تقليدية تمارس السياسة بالأسلوب العتيق والذى يقوم على تأثير رأس المال السياسى والعصبيات وشيوع فئة نواب الخدمات. ولذلك ستحدث فجوة عميقة بين هذه الدولة التنموية الناهضة وبين الأحزاب السياسية). ويتابع التقرير قائلا (وبالطبع لا أحد يريد أن يصدر قرار سلطوى بإلغائها أو تجميد حركتها باعتبارها معوقة لعملية التنمية، ولكن نريد منها (أى تريد الدولة منها) أن تتجدد وتعيد صياغة نفسها بالكامل لتصبح أحزابا تنموية - ص ٤٩).
ويقطع التقرير بحسم أن التراث النقدى فى العلوم العلوم الاجتماعية يعترف اعترافا مؤكدا (دون ذكر مصدر التأكيد) (بنهاية عصر الديمقراطية النيابية.. كما أن فكرة التمثيل REPRESENTATION أو النيابة عن الشعب فقدت فاعليتها القديمة بعد أن أعلنت الجماهير الغاضبة فى العديد من عواصم العالم الغربى الثورة على الدولة وعلى الأحزاب لأنها اعتبرت السياسات السائدة هى فى خدمة القلة ممن يحتكرون المال والسلطة معا).
سأتوقف قليلا عند هذه الفقرة من التقرير بإبراز الملاحظات التالية: ١- رغم العبارات الحاسمة التى استخدمت والتى تؤكد سقوط الديمقراطية التمثيلية فلم يقدم لنا التقرير نموذجا لدولة واحدة فى العالم استغنت عن نظام التمثيل النيابى ولا توجد مثل هذه الدولة اليوم اللهم إلا فى كوريا الشمالية والدول ذات الأيديولوجية الدينية الشمولية. ٢- نوافق التقرير على أن حركات رفض العولمة وسياسات المؤسسات المالية الدولية تتمرد على الأحزاب وأجهزة الدولة فى المجتمعات الغربية، ونوافقه على أن جماعات المصالح الاقتصادية هى التى تتحكم فى سياسات هذه الدول، ولكن ما أغفله التقرير أن هناك حدا أدنى من التزامات دولة الرعاية WELFARE STATE متعارفا عليه فى المجتمعات الديمقراطية ومنصوصا عليه فى العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مثل التزام الدولة بالرعاية الصحية والتعليم والسكن والثقافة، وهى كلها التزامات تخلت عنها الدولة المصرية منذ الثمانينيات. وهناك أيضا حد أدنى من حقوق المواطنين فى التعبير والاحتجاج والإضراب تقمعه الدولة المصرية، أى أن التقرير نظر إلى الدولة المصرية والأحزاب وقارنها بنظراتها فى الغرب بعين واحدة. ٣- أن التقرير قد تعمد تجاهل الجهود الأمنية المكثفة لتخريب الأحزاب السياسية من الداخل. وهذه ظاهرة انفردت بها النظم الشمولية العربية التى امتثلت لشعار الكتاب الأخضر القائل إن من تحزب خان. ٤- أن مفهوم الحزب السياسى فى التراث الغربى هو أن الحزب تجمع سياسى معبر عن طبقة أو جماعة اجتماعية ذات رؤية سياسية متماسكة تسعى للترويج لمبادئها والوصول للحكم لتحقيقها. وذلك هو جوهر السياسة وأحزابها التى يتوافق التقرير مع الرؤية الرسمية فى التقليل من شأنها.
فى مصر لم ولن يسمح بأحزاب طبقية أو فئوية وإن كان قد سمح بأحزاب دينية بالمخالفة للدستور. هل تسمح الدولة أو النظام القانونى المصرى بإقامة حزب للعمال أو للفلاحين أو حزب شيوعى رغم سماحها بإقامة أحزاب سلفية تنشر الجهل والتخلف تحت ستار الدين. الحراك الطبقى المدنى أخطر على نظمنا الحاكمة من الدعاوى الدينية. ٤- تغافل التقرير عن القيود القانونية والأمنية على نشأة أحزابنا وعن الشراسة التى يتعامل بها الأمن مع شباب أحزاب الثورة (لدينا عشرات الأمثلة).
وتجاهل أيضا النشأة القيصرية للأحزاب الحديثة فى مصر وكيف انشق عنها رحم دولة نظام يوليو لتنخرط فى منابر ثم فى أحزاب مخلقة مهجنة تعقد الصفقات مع الأمن لضمان بقائها أو تلقى سوء المصير. تجاهل هذا التقرير فى صياغته للإطار النظرى للشمولية الجديدة المشاكل الحقيقية التى تعوق حق الجماهير فى المشاركة السياسية وفى حكم نفسها، ويلقى كل اللوم على الأحزاب السياسية ويدعوها إلى تغيير هويتها وألا تسعى للسلطة أو البرلمان لتنفيذ سياساتها لأن البرلمان أصبح ظاهرة منقرضة عالميا وأن تتحول إلى أحزاب تنموية.
يدعو التقرير الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى إلى أن تشارك الدولة فى عملية التنمية وفقا للمنظور الذى تتبناه الدولة للتنمية. ولا يفوت التقرير أن يلمز المنظمات الحقوقية رغم أنه يعترف بأنها كانت أحد أسباب الثورة على نظام مبارك ويدعوها التقرير إلى الانضواء تحت عباءة النظام والتوقف عن كشف انتهاكاته للحريات.
- ما هى كيفية المشاركة الحزبية للدولة فى التنمية التى يدعو إليها التقرير؟ يقول التقرير: أولا وضع رؤية استراتيجية لمصر، أى سياسات متكاملة مترابطة لعشرين عاما قادمة، ثانيا: مشاركة الدولة فى وضع الخرائط التنموية. ثالثا: المشاركة فى اتخاذ القرارات التنموية حتى لا تنفرد الدولة بجهازها البيروقراطى أو بمجموعة من خبرائها فى اتخاذ القرار، رابعا مشاركة الدولة فى الرقابة على تنفيذ القرارات التنموية ( ص ٥٠-٥١).
ولا أحد يختلف مع أهمية المشاركة الشعبية للدولة فى وضع خطة التنمية والرقابة على تنفيذها. ولكن تبقى العديد من الأسئلة الجوهرية التى لم يجب عنها التقرير وكأنه يتحدث عن دولة أخرى، منها: هل تقبل دولة ما بعد ٣٠ يونيو مشاركة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى لها فى وضع خطة التنمية والرقابة عليها؟ وهل تشاورت الدولة مع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى قبل الشروع فى الاقتراض الدولى والداخلى الأضخم حجما فى تاريخ مصر؟ وهل ناقشت الدولة الأحزاب فى قرارها الذى أدى إلى إفقار عشرات الملايين بتخفيض قيمة العملة الوطنية؟ وهل كان للأحزاب رأى فى جدوى وأولوية مشروعات ضخمة الإنفاق مثل تفريعة قناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة والمفاعل النووى وشبكة الطرق وزراعة المليون ونصف المليون فدان وغير ذلك؟ وهل ناقشت الدولة مع الأحزاب معاهدة ترسيم الحدود مع السعودية التى مررتها متحدية الرأى العام رغم بطلانها بحكم قضائى بات؟
ما نعلمه أن أحزابا شرعية كانت لها رؤيتها لبدائل التنمية ولمخاطر سياسات التوسع فى الاقتراض. وقدمت هذه الرؤية مكتوبة للدولة وقوبلت بالصمت. واستعيض عنها بمؤتمرات دعائية يتحدث فيها التكنوقراط لمجموعة منتقاة من الشباب. تلك هى مظاهر الحوار كما تفهمها الدولة. أما أغلبية البرلمان فقد جاءت وفقا لقانون وضعه الرئيس المؤقت فى المرحلة الانتقالية (رغم اعتراض الأحزاب عليه) يضمن جعل البرلمان أداة مؤيدة لسياسات الحكومة ويهدف إلى تهميش الأحزاب السياسية.
ومع تقديرنا للمركز القومى صاحب التقرير، والذى يشهد تاريخه بالحيرة بين تأييد النظم الحاكمة والالتزام بالصدق العلمى، فإن الفصل الأول من المجلد السياسى الذى ناقشناه هو تبرير متميز للسياسات الشمولية بعد ٣٠ يونيو يعجز عن محاكاته جوبلز فى ألمانيا أو فشسنكى فقيه ستاين الأشهر.
وللحديث بقية.

التهمة: صلاة بدون ترخيص بقلم سحر الجعارة ٢٥/ ٨/ ٢٠١٧ المصرى اليوم

س: «التهمة» دعارة ولا مخدرات؟.. ج: صلاة بدون تصريح يا باشا!.. هكذا سخرت صديقتى «حنان يحيى»- على الفيسبوك- من منع محافظ المنيا، اللواء عصام الدين بديوى، للأقباط من الصلاة بإحدى دور العبادة بالمحافظة!
ولماذا يصلى الأقباط أصلا إذا كانت عقيدتهم «فاسدة» بأغلبية آراء المتشددين ورجال الأزهر، وعلى رأسهم الدكتور «أحمد الطيب»، شيخ الأزهر؟.. لماذا يفتشون عن إقامة أو ترميم كنيسة إذا كان النحنوح «عبدالله رشدى» قال إن الكنائس ليست من بيوت الله؟!
أقباط قرية «الفرن»، بمحافظة المنيا، قرروا الصلاة فى الشارع ولم يعترض أحد بالرغم من أن القرية واقعة بجوار قرية «الكرم»، التى شهدت أحداث فتنة طائفية العام الماضى.. فمن الذى أثار الفتنة الطائفية ورفع شعار «اضطهاد الأقباط فى عهد السيسى»؟.. إنه بكل أسف سيادة المحافظ الذى قام بإغلاق الكنيسة لأنها ليست حاصلة على ترخيص!
واخترع المحافظ فكرة جديدة، لدولة دينية عنصرية متعسفة، وقال فى مداخلة تليفزيونية، إن الترخيص ليس للصلاة ولكن خاص بدور العبادة، لافتا إلى أن الإخوة الأقباط كانوا يريدون إقامة الصلاة فى مكان ويعتبرونه مكانا للعبادة وبالتالى كان يجب الحصول على ترخيص.. نعم «ترخيص» من «عبد» يحمل رتبة لواء ويعمل محافظا أو مديرا للأمن لكى يسمح لمواطن يختلف معه فى العقيدة أن يقف بين يدى الله ويمارس شعائر دينه بطريقته!
مهزلة بكل المقاييس تكشف أن التيار السلفى والخلايا الإخوانية متغلغلة فى مؤسسات الدولة، فما حدث فى عزبة «الفرن» ليس له معنى سوى هذا.. فالسيد مدير الأمن، اللواء ممدوح عبدالمنصف، يزعم أن «مناوشات» حدثت عندما تجمع عدد من أهالى عزبة سامح موسى، بمركز «أبوقرقاص»، أمام منزل «ينى بابوى»، اعتراضًا على قيام الأخير بتحويل منزله لكنيسة، وحضور كاهن لأداء الشعائر. وهنا تدخلت قوات الأمن، وقامت بصرف المجتمعين، ومنع حدوث أى مناوشات، وفرضت كردونا أمنيا، حتى أصبحت الحالة الأمنية هادئة تمامًا.
لكن المؤكد والثابت بشهادة أهل العزبة أن صاحب المنزل كان يقوم بعمل ترميمات وتعديلات، وقام بإحضار كاهن لمتابعة تلك الأعمال، وبشهادة المواطن «مجدى مينا»، أحد الأقباط فى القرية، فإن القرية بها مبنى تحت الإنشاء مخصص للكنيسة، منذ عدة سنوات، وحين توجه أهالى القرية المسيحيون إلى المبنى لأداء قداس الأحد، تصدت لهم مجموعة من أهالى القرية المسلمين فقامت قوات الأمن بمنعهم من أداء الصلاة.. فتجمهر الأقباط وطالبوا بحقهم فى أداء الصلاة، ولكن دون جدوى.
وذكر «مينا» أن عدد المسيحيين فى القرية يبلغ نحو ٣٠٠ شخص، وليس لديهم كنيسة للصلاة: لكى نصلى نحتاج إلى مسيرة عدة كيلومترات، للوصول إلى المطرانية فى أبوقرقاص، لافتاً إلى وجود أكثر من ١٥ كنيسة مغلقة فى المنيا، لأنها لم تحصل على التراخيص اللازمة بسبب تعنت الجهات الرسمية فى الدولة!
المذهل والمؤلم أن هذه الدولة تحمى «المعبد اليهودى» بالقاهرة، وتعجز عن تأمين الكنائس التى تنفجر غضبا ودما فى وجوهنا، وأنها تنشر «أكشاك الفتاوى» فى محطات المترو ثم تمنع الأقباط من الصلاة، وأنها تخص صعيد مصر بعدد من اللواءات وتفشل جميعها فى إطفاء نيران الفتنة الطائفية، لابد أن نعترف الآن بأن الدولة فشلت فى حماية أقباط مصر وأنهم تحملوا فوق ما يطيقه البشر.. من تعريه للنساء واستحلال للأموال والأعراض، وتهجير وتفجير واغتيالات!
أهالى عزبة «الفرن» استغاثوا بالرئيس «السيسى»، وهو وضع غريب أن تطلب من القيادة السياسية الحق فى الاتصال بالله!.. أن تطلب منه الحق فى «الصلاة» فى بلد منابره الإعلامية والدينية تكفر الأقباط ليل نهار دون أن يتمكن «المجلس القومى لمواجهة التطرف والإرهاب» من ردعهم!
سيادة الرئيس: شعبك من الأقباط دمه مهدر، بعض حقوقه مصادرة، يصحو على رعب وينام فى كابوس «القتل على الهوية».. هؤلاء هم أنصار نظام ٣٠ يونيو، وتلك هى فاتورة ثورتنا يسددونها من أرواحهم!
(كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته) هكذا علمنا رسول الله.. وأقباط مصر يصلون طلبا للعدل.

Wednesday, August 23, 2017

خالد منتصر - قصور الثقافة لعلاج قصور الثقافة - جريدة الوطن - 24/8/2017

أثار خبر نية نقل تبعية قصور الثقافة إلى وزارة التنمية المحلية كثيراً من الجدل، لكنه جدل الضوضاء كعادتنا فى اللجوء إلى الإسبرين لعلاج السرطان، والطلاء لإصلاح تسوس الجدار!!، المهم أن تكون قصور الثقافة لعلاج قصور الثقافة فعلاً، لكن خناقة هى تبع مين هى خناقة تشير إلى كساحنا العقلى المزمن، وغرقنا فى عقلية الباشكاتب والأرشيف وختم النسر والبيروقراطية المصرية المقيتة، وصلتنى رسالة من الصديق المثقف المخلص محمد الروبى معلقاً فيها على هذا الخبر قائلاً:
على الرغم من النفى (شبه الرسمى)، فإن البعض ما زال يصدق ويتمنى ويسعى لتحقيق ما يتمناه فى أن تتحول تبعية هيئة قصور الثقافة إلى وزارة التنمية المحلية … هذا البعض يتعامل مع الأمر بمنطق (التلاميذ يهربون من المدرسة.. إذن انقل تبعية المدرسة إلى وزارة الداخلية (مثلاً).. أو أغلقها!!!).
ولهؤلاء أقول: إن نقل تبعية هيئة قصور الثقافة إلى التنمية المحلية هو أمر صعب يقترب من المستحيل، وذلك لأسباب عدة، بعضها يخص (التنمية المحلية)، ولا يخدعنكم اسم الوزارة كثيراً، فتتخيلوا مثلاً مثلاً أنه ما دامت الثقافة (تنمية) فالأولى أن تتبع وزارة التنمية، فمثل هذا القول هو مضحك إلى حد القهقهة.
أما العوائق التى تخص منع نقل (التبعية) إلى التنمية المحلية، التى تخص الوزارة، فتتمثل فى أنها من الوزارات المكدسة بهموم لا تبدأ من قمامة الشوارع المنوط بها التخلص منها، وتحتاج إلى معجزة مالية وبشرية، ولا تنتهى عند مشاكل المحليات وانهيار العمارات ومخالفات البناء و.. و.. و.. فهى إذن ليست بحاجة إلى (هم مضاف)، خاصة أن انتقال الهيئة يعنى انتقالها بموظفيها، وهو عدد أتصور أن أى وزارة ستهرب من احتماله.
أما أسباب المنع التى تخص الهيئة، فتبدأ من كونها أنشئت بقرار جمهورى، ولا يمكن نقل التبعية إلا بقرار جمهورى يلغى القرار الأول. ولا أظننا فى ترف يجعلنا نسعى لهذا وننفذه، وأقصى ما يمكن فعله هو (بروتوكول تعاون) بين الوزارتين، يمتد من مجرد تعاون بين محافظين وهيئة، إلى تعاون بين وزيرين (أى وزارتين) ينص فيه على الاستفادة المتبادلة، وهو أمر يسير الآن ومنذ سنوات طويلة وإن كان على مستوى المحافظين وحسب فهم كل محافظ لدور الثقافة والفنون.
الأمر الثالث والأهم، فهو السؤال (لماذا؟) هل لأن مثلاً مثلاً الهيئة لا تقوم بدورها على الوجه الأمثل؟ وهل حين ستنتقل ستقوم بدورها؟ هل الأمر مقصور على تبعيتها؟ أم يتوقف على (ماذا نريد منها؟ سواء هنا أو هناك؟) بمعنى آخر: هل سينتفى ما يشكو منه الشاكون بمجرد إلقاء الهيئة فى جعبة وزارة أخرى؟
أيها الحالمون المبررون المستسهلون، إن الأمر يخص (الاستراتيجية).. يخص ماذا نريد من وزارة الثقافة، ومن ثم من أكبر هيئاتها، يخص الأسئلة الواجب أن نبحث لها عن إجابات مثل: هل ما زال الفهم الذى أسست عليه الهيئة صالحاً للعمل به؟ هل ما زال مسرح الثقافة الجماهيرية يقوم بدوره؟ والأسبق ما دوره المفترض أن يقوم به؟ ومن ثم كيف؟
كثيرة هى الأسئلة.. واجهوها أولاً وبعدها انقلوها أو لا تنقلوها.. أو قرروا -إن اتفقنا- إلغاء الوزارة بكاملها.. افعلوا أى شىء إلا استسهال اقتراح (أغلق المدرسة واسترح) و.. واتقوا الله.

Tuesday, August 22, 2017

د. عماد جاد - مشاهد من العصور الوسطى - جريدة الوطن - 22/8/2017

حملت لنا وسائل الإعلام المصرية المختلفة مشاهد لقوات الأمن المصرية وهى تقوم منذ الساعة السادسة من صباح الأحد الماضى بإغلاق أحد شوارع قرية صغيرة فقيرة معدمة تسمى «عزبة الفرن»، تتبع مركز أبوقرقاص فى محافظة المنيا، الهدف من التجريدة الأمنية هو منع أقباط القرية من التوجه إلى أحد المنازل الذى اتخذوا منه مكاناً للصلاة إلى ربهم فى أحد أيام صيام السيدة العذراء مريم. المشهد هزلى بامتياز، العساكر الغلابة الذين استيقظوا من الساعة الثالثة فجراً تم حشدهم لإغلاق الشارع المؤدى إلى المنزل المستخدم فى الصلاة، وما إن بدأ أقباط القرية فى التوجه إلى المنزل للصلاة اعتباراً من الساعة السادسة صباحاً حتى فوجئوا بقوات الأمن تغلق الشارع وتمنعهم من الوصول إلى المنزل، الحجة التى ذُكرت أن المنزل غير مرخص ككنيسة ومن ثم لا يجوز الصلاة فيه. المشهد مؤلم للغاية ومستفز ولا يمكن أن يحدث فى دولة مدنية أو حديثة بها دستور يقول بأن حرية الاعتقاد مطلقة ويقر بحرية ممارسة الشعائر لأصحاب الديانات الإبراهيمية. اعتدنا مثل هذه المشاهد فى إسرائيل، حيث تقوم القوات هناك، وهى قوات الاحتلال، بمنع المواطنين الفلسطينيين المسلمين من الصلاة فى المسجد الأقصى، ولكن المشهد هناك تضمّن تعاطفاً من قبَل الفلسطينيين المسيحيين مع مواطنيهم المسلمين، فعندما قررت الحكومة الإسرائيلية منع الأذان تعاطفت الكنائس وقام بعضها برفع الأذن من أعلى مناراتها، وعندما ما وضعت الحكومة الإسرائيلية بوابات إلكترونية على مداخل الأقصى ثار المسيحيون تضامناً مع المسلمين، وكان تضامناً مبدئياً مع حق الإنسان فى ممارسة شعائر دينه، وله كل الحق والحرية فى هذه الممارسة.
ونجح التضامن الفلسطينى المسيحى الإسلامى فى إجبار حكومة الاحتلال الإسرائيلى على التراجع عن مخطط تقييد الصلاة وممارسة الشعائر فى المسجد الأقصى، بل تضامنا فى مصر مع جهود الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين فى الدفاع عن الحق فى ممارسة الشعائر الإسلامية فى المسجد الأقصى.
يحدث هذا بينما حكومتنا المجاهدة تصدر الأوامر لرجال الشرطة بمنع المصريين الأقباط من ممارسة شعائر دينهم على أرضهم وأرض أجدادهم، يقولون إن المكان غير مرخص ككنيسة، والسؤال هنا: ومن المسئول عن عدم الترخيص؟ ألا توجد عشرات القرى فى محافظة المنيا تحديداً محرومة من بناء الكنائس، تارة لأن الجماعات المتشددة ترفض ذلك، وتارة أخرى بسبب ألاعيب الأجهزة الأمنية والتنفيذية؟ لقد أصبح مشهد منع المواطنين المصريين الأقباط من ممارسة شعائر دينهم أمراً مستفزاً للغاية ويخيب بشدة كل الآمال التى كانت معقودة على انتهاء عصر وفكر وعقلية الخط الهمايونى، فما الذى يضير الدولة المصرية من صلاة الأقباط إلى ربهم وممارسة شعائرهم الدينية فى أى مكان؟ ما الخطر فى ذلك حتى ندفع بقوات أمن لإغلاق الطرق فى وجه الأقباط حتى لا يصلوا إلى ربهم؟ نعم هناك قانون لتنظيم بناء وإصلاح الكنائس، ولكنه قانون هو والعدم سواء، حتى إنه يقيد العملية تماماً، ويبقى القرار النهائى بيد الأمن وتلك هى المصيبة الكبرى.

Monday, August 21, 2017

خالد منتصر - فيتنام وأمريكا.. فرقتهما حرب وجمعهما حذاء - جريدة الوطن - 22/8/2017

نبّهنى الكاتب الصديق الإسكندرانى الفنان أشرف منصور، من خلال رسالة على الفيس بوك، إلى أن أشهر حذاء رياضى أمريكى مصنوع فى فيتنام!! نظرت إلى حذاء ابنى الذى يحمل تلك الماركة الشهيرة وجدت كلامه صحيحاً، فقلت: فعلاً، علاقات الدول لم يعد فيها الخصام المزمن، إنما المصلحة الاقتصادية هى التى باتت تحكم تلك العلاقات، بلد نسف بلداً آخر وقتل فلاحيه ونساءه وأطفاله واستخدم أبشع أنواع القنابل والنابالم وكل المحرم دولياً، فيتنام كانت تحترق دون أى ذنب وهى على بُعد مئات الآلاف من الأميال من أمريكا، بعد أن تمت هزيمة أمريكا فى فيتنام تناست الذاكرة الفيتنامية وتعافت وقررت أمريكا أن تستغل رخص الأيدى العاملة هناك وتبدأ فى التصنيع على أرض فيتنام، صارت فيتنام تنتج أفضل كرة قدم وأفضل حذاء رياضى فى العالم، ومات شعور الثأر والغل وبدأ حوار المصلحة والاقتصاد و«نفّعنى وانفّعك»!!
وهذا جزء من رسالة الصديق أشرف منصور الذى يقول:
كنت أسعى منذ يومين لشراء حذاء يكون ممتازاً والأفضل فى السوق والأجود من حيث الصنع. وعثرت على ماركة أمريكية عالمية (لن أذكر اسمها حتى لا يكون إعلاناً) غالية الثمن، وتُعد من أغلى الماركات فى السوق المصرى كله. اشتريت الحذاء رغم سعره العالى لمعرفتى أنه يعيش لسنوات كثيرة وقوى التحمل، وكذلك لرغبتى فى اقتناء هذه الماركة التى لم أشترها من قبل. وبعد أن قارنت بين أسعار هذه الماركة فى محلات مختلفة، استقر اختيارى على محل منها، وقمت بانتقاء الموديل واللون الذى أرغبه. وعندما نظرت فى الحذاء من الداخل وجدت مكتوباً عليه Made in Vietnam، «صنع فى فيتنام»، وعبارة أخرى تقول Handmade «صناعة يدوية». الشركة الأمريكية العالمية تنتج الحذاء فى فيتنام نظراً لرخص العمالة هناك، ونظراً لأن الجودة العالية فى صناعة الأحذية لا تتحقق إلا فى الصناعة اليدوية. يبلغ سعر الحذاء 1800 جنيه مصرى، وهو من أغلى الأنواع التى تباع فى مصر. وليس هذا السعر سرقة أو مبالغة من البائع أو التوكيل، لأن سعره فى السوق العالمى يبلغ 100 دولار.
إن هذا الحذاء باعتباره سلعة يُعد شيئاً مادياً ظاهراً للعيان، تمسكه الأيدى وتلبسه الأقدام، وله سعر وعلامة تجارية أمريكية، ومصنوع صناعة يدوية فيتنامية. لكن هل هذه هى كل القصة؟ هل استطعنا فى العبارة السابقة تحديد الهوية الحقيقية والكاملة لهذا الحذاء؟ أم أنه يُخفى أكثر مما يُظهر؟ الحقيقة أنه من وراء هذا الحذاء، باعتباره موضوعاً مادياً وسلعة تُباع وتُشترى وتُستعمل، تكمن علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية خفية ليس من السهل اكتشافها. إن السلعة تُخفى أكثر مما تُظهر، ذلك لأن الدورة التجارية التى تمر بها تُخفى السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى تم إنتاجها فيها. ومجرد حضور السلعة فى السوق يجعل المجتمع الذى أنتج هذه السلعة يختفى، وعلامتها التجارية وسعرها وشكلها تُخفى وراءها العلاقات الاقتصادية التى ساهمت فى إنتاجها. ففى السوق ينسحب المجتمع للوراء ويتلاشى، وفى السعر والعلامة التجارية يختفى البشر الحقيقيون الذين أنتجوا السلعة، مع ظروف حياتهم.
ولأن السلعة تُخفى الحقيقة وراء وجودها المادى المباشر، فلنبحث فيما وراءها عن شروط وظروف إنتاجها وعن الرحلة التى قطعتها حتى وصلت إلى المستهلك الأخير. لنبحث إذن وراء السلعة عن العمل البشرى الذى صنعها بيديه، ووراء السعر عن رأس المال الداخل فى إنتاجها، ووراء السوق الذى تباع فيه عن مجتمع الإنتاج الذى يحجبه هذا السوق، وعن العلاقات التجارية التى ساهمت فى تسويقها.