Translate

Friday, May 5, 2017

فاطمة ناعوت - رسالة إلى شيخ الأزهر من مصرى مسيحى (2) - الأحد، 29 يناير 2017

نشرتُ هنا يومَ الأحد الماضى، فى نافذتى الأسبوعية، بجريدة «اليوم السابع»، الجزءَ الأول من الرسالة التى أرسلها لى طبيبٌ مصرىًّ يعيش فى كندا، من أجل أن أرسلها بدورى إلى فضيلة شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب. ولأن ما على الرسول إلا البلاغ، فإننى أقوم بدورى كاملًا غير منقوص فى نقل الرسالة يدًا بيد، دون أدنى تدخّل منى فى مضمونها لا بالزيادة ولا بالنقصان، طامحةً فى أن يقرأها مَن أُرسلت إليه، ومَن يعنيه الأمر. واللهُ، وإفشاءُ السلام والمحبةُ، من وراء القصد.
 
فى الأسبوع الماضى، وصلنا إلى الملاحظة رقم «3» من الرسالة، التى خلُصت إلى نتيجة تقول إن «النصرانية» تختلف كُليًّا عن «المسيحية»، وإن القرآن الكريم يرفضُ ويُحرّم هرطقاتٍ يرفضها المسيحيون أنفسُهم، مثلما يرفضها الإيمانُ المسيحىّ ولم ينادِ بها مطلقًا، والعهدةُ دائمًا على كاتب الرسالة ومرسلها لى: الدكتور هانى شنودة/ كندا. وإليكم الجزء الثانى:
 
4 - استنكر القرآنُ الكريم أن يكون لله ولدٌ كما جاء فى الآيتين: “بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ»، الأنعام 101، «أَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا». 
 
الجن 3. تفسير الآية الأولى دليلٌ ساطعٌ واضحٌ قاطعٌ حاسم على أن البنوّة التى يستنكرها القرآن هى بنوة تناسلية. يقول الطبرى: «الولدُ يكون من الذكر والأنثى». ويقول الزمخشرى: «الولادة من صفات الأجسام». ويقول ابنُ كثير: «الولد يكون متولّدًا بين شيئين متناسبين». ويقول البيضاوى: «الولد ما يتوّلد من ذكر وأنثى متجانسين». والله سبحانه وتعالى مُنزهٌ عن الُمجانسة. إذن فالقرآنُ الكريم يستنكر بُنوةً تناسلية لا تعرفها المسيحية، وإنما كانت تعرفها هرطقةٌ كانت موجودة فى الجزيرة العربية فى القرن السابع الميلادى، سمّاها القرآن: «النصرانية». من ناحية أخرى يتضح من التعبير: «اتخذ»، وجود الولد قبل اتخاذه. أى أن المسيح عليه السلام كان موجودًا بالجسد قبل أن يتخذه الُله ولدًا له. وهذا لا تقول به المسيحيةُ على الإطلاق. ومرة أخرى، يشير هذا بجلاء إلى أن القرآن الكريم يتحدث هنا أيضًا ومن جديد عن «الهرطقة» التى دُعى أصحابُها بالنصارى ولا يتحدث عن الرسالة المسيحية كما يعرفها المسيحيون.
 
5 - القرآنُ الكريمُ يستنكر تثليثًا غريبًا على المسيحية، لم تقله ولم تُقرّ به. جاء هذا فى سورة المائدة: «وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ». المائدة 116.
 
وليس هناك أدنى شكّ فى أن الأمهات من كتب التفسير فى تناولها لهذه الآية تتكلم عن آلهةٍ ثلاثة، هم: الله- المسيح- مريم. وهى بدعةٌ نُصرانية، وليست مسيحية، وُجدت فى الجزيرة العربية وقت ظهور الإسلام، قبل 1400 عام، وليس للمسيحية أدنى علاقة بها، من قريب أو من بعيد. فالقولُ فى الآية بالغ الوضوح: «إلهين من دون الله»، أى أن هناك «ثلاثةَ» آلهة، أو إلهين إلى جوار الله! حاشاه الواحد الأحد. وهذا ما لا يقوله أى مسيحىِّ على الإطلاق، ولا يُقرُّ به الإيمانُ المسيحىّ. إن القرآن يتكلم عن تثليث لا تعرفه المسيحية.
وللرسالة بقية.

فاطمة ناعوت - رسالة إلى شيخ الأزهر من مصرى مسيحى (1) - الأحد، 22 يناير 2017

وصلتنى هذه الرسالة التحليلية التفسيرية المعمّقة المستشهدة بآيات القرآن الكريم، من طبيب مصرى مسيحى يعيش فى كندا، اسمه د. هانى شنودة، من أجل أن أرسلها بدورى إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور «أحمد الطيب»، شيخ الأزهر الشريف: يدًا بيد، أو بالأحرى: عينًا بعين، بما أنها وصلتنى بالبريد الإلكترونى، فقرأتها عيناى، وأنتظرُ بدورى أن تقرأها عينا فضيلة الشيخ. أو بالأحرى: قلبًا بقلب، بما أن الرسالة وخزت قلبى بنصل حادّ جرّاء ما يفعله التكفيريون والإرهابيون بإخوتى المسيحيين، ومن ثمّ أرجو أن يقرأها مولانا بقلبه، وليس بعينيه. الرسالةُ طويلة، لهذا سوف أنشرها على حلقات فى جريدة «اليوم السابع».. وإلى نصّ الرسالة:
 
فضيلة الإمام الأكبر الدكتور/ أحمد الطيب.
تحية طيبة وبعد.
أصبح «تجديد الخطاب الدينى» فى مصر ضرورة مُلحّة نتيجة لما تمر به بلادنا الحبيبة، بل والمنطقة العربية بأسرها من مخاطر داخلية وخارجية، وقد أناط سيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى بفضيلتكم هذه المهمة التاريخية، وأنتم ولا شك كفؤ لها، وفى الصميم من هذا الخطاب تقعُ نظرةُ الإسلام «للآخر» المختلف فى العقيدة.
 
والسؤال الرئيسى فى هذا الخطاب: هل المسيحيون أهلُ كتاب أم كفار؟
 
فى السطور التالية سوف أطرح على سيادتكم بعض الأمور التى ربما تلقى بعض الضوء على الطريق المؤدى إلى إجابة ذلك السؤال.
 
1 - أتباعُ السيد المسيح، عليه السلام، والمؤمنون به كانوا يُدعون مسيحيين منذ وجود تلاميذه على قيد الحياة. ودليل ذلك هو الإنجيل نفسه، ففى سفر أعمال الرسل الذى يؤرخ لبداية المسيحية أو «فجر المسيحية» نقرأ: «ودعى التلاميذُ مسيحيين فى أنطاكية أولا»، أعمال 26:16. «فقال أغربياس لبولس بقليل تقنعنى أن أصير مسيحيا». أعمال 28:26. وفى رسالة الرسول بطرس الأولى: «ولكن إن كان كمسيحى فلا يخجل بل يمجد الله من هذا القبيل.» 1 بطرس 16:4.
 
إذن، ما هى النصرانية؟ ومن هم النصارى؟ النصرانية ليست إلا بدعة دخيلة على المسيحية انتشر أتباعُها فى شبه الجزيرة العربية سُموا «نصارى»، وانقسم أتباعها إلى فرق منهم اليعقوبية والأبيونية والنسطورية والملكانية، وهذه كلها هرطقات دخيلة لفظتها المسيحية منذ نشأتها.
 
2 - القرآنُ الكريم يكفّر قومًا قالوا: «إن الله َهو المسيحُ ابن مريم»، كما جاء فى سورة المائدة 17: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ». وفى المائدة 72: «قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ». هذا القول يتوافق تمامًا مع السؤال الشائع: «من كان يدير الكونَ عندما كان المسيح على الصليب؟» القول والسؤال يعنيان انحصار الألوهية فى جسد المسيح، وهذا يختلف تمامًا عن الإيمان المسيحى الذى يُقرُّ بأن المسيح هو «الله الظاهر فى الجسد»، وأن هذا التجسد لا ينتقص من الله شيئًا، فهو يملأ الكون كله بلاهوته، وأن اتحاده بالجسد فى شخص المسيح لا يعنى على الإطلاق تحيزه بهذا الجسد.
 
3 - القرآن الكريم يكفّر قوما قالوا: «إن الله ثالث ثلاثة» كما جاء فى سورة المائدة 73: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ». ما هو المقصود بـ«ثالث ثلاثة»؟ القرآن نفسه يجيب عن هذا السؤال فى الآية 116 من نفس السورة: “وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ». المائدة 116. إذن فالقرآن يكفرّ تثليثًا من أب وأم وولد وهذا لا يؤمن به المسيحيون على الإطلاق. والنتيجة: القرآن يكفر هرطقات دخيلة على المسيحية الحقيقية، يرفضها المسيحيون أنفسهم.
وللرسالة بقية.

عن «أكل أوراق الشجر والكلاب».. توابع أخيرة بقلم د. عمار على حسن ٥/ ٥/ ٢٠١٧ - المصرى اليوم

أنهيت مقالى السابق بفتح الباب، بل المزاد، أمام كل من لديه شىء يدين الدكتور محمود عمارة أن يتقدم به إلى القضاء أو يرسله لى لأنشره فورا هنا، وذلك بعد أن نشرت هجاء البعض له وقدحهم فى سماته وقسماته نصا، لكن أحدا لم يفعل، بل خرست الميليشيات الإلكترونية للسلطة التى هاجمته بإفراط، ونالت منه بلا حدود، بل اتهمتنى بأننى كتبت المقال الأسبق وعنوانه: «قال لى محمود عمارة: قد نأكل أوراق الشجر والكلاب» لحساب الرجل، مجاملة أو نفاقا أو تواطؤًا أو بثمن مدفوع، مع أنهم يعرفون جيدا أن قلمى، كان وسيظل غير قابل أبدا لأى من هذه الحالات والمواقف، لكنهم وجدوا فرصة لتصفية حساب معى لنقدى اللاذع لسياسات الرئيس وأسلوب حكمه الذى يودى بنا إلى الهاوية. كما أنهم يعرفون أيضا أن عمارة قدم الكثير من الأفكار والآراء التى تستحق النقاش من المختصين والمسؤولين، وأرسلها لى فى مجلد ضخم، يحوى المقالات التى كتبها على مدار عشر سنوات، بل يزيد.
جاءنى فقط رد مباشر سعيت أنا إليه لأستوثق من معلوماتى، وثلاثة ردود غير مباشرة، خلافا بالطبع للمادة الإخبارية المبثوثة على الكثير من المواقع الإلكترونية والمستمدة من مقالىّ السابقين والتى ركزت على الجوانب والآراء العامة والمعلومات الواردة فيهما، وهو ما انشغل به أصحاب العقول الفهيمة والبصائر النيرة، ولم يتوقفوا عند أشياء شخصية. ما حصلته بالسعى جاء إثر اتصال هاتفى بسعادة المستشار عماد عطية، المسؤول باللجنة التى يرأسها المهندس إبراهيم محلب لتقييم واسترداد حق الدولة فى الأراضى المستصلحة أو التى تم البناء عليها فى الصحراء. سألته: أريد أن أعرف موقف محمود عمارة بدقة، فطلب منى أن أمهله إلى حين ينتهى من اجتماع يشارك فيه، وكذلك ليطلع على الملف من جديد. وبعد مضى ساعتين وجدته يهاتفنى ليقول لى: «كل الأوراق التى قدمها لنا محمود عمارة لم تكن مطروحة لدينا وقت أن طالبناه بدفع المبالغ التى قدرناها سابقا، فلما أتى إلينا، وعرض ما معه من مستندات، وراح يشرح ما فيها لساعة كاملة، نال إعجابنا واقتناعنا، وبناء عليه تم تكليف اللجنة كى تقوم بزيارة الأرض، للوقوف على الجهد الذى بذله فى استصلاحها وزراعتها، وتقدير السعر من جديد». ويتطابق هذا مع ما قاله لى عمارة، ونشرته فى مقالى السابق، عن أن ما شرحه للجنة جعلها تقتنع بضرورة الوقوف عند كل حالة على حدة، ونتمنى لها أن تفرق بين غارم أخذ أرضا وزرعها وبين غانم أخذ أرضا بغرض الزراعة وبنى عليها قصورا وفيللات وحاز المليارات بلا عناء.
رد الفعل الأول غير المباشر كان للرئيس عبد الفتاح السيسى نفسه، والثانى للأديب والكاتب الأستاذ عزت القمحاوى، والثالث عبارة عن مستندات وشهادات وإفادات أرسلها لى عمارة، متهما كل من هاجموه بأنهم «حزب أعداء النجاح» وأنهم «يكرهونه لأنه نجح باقتدار فيما فشلوا هم فيه»، وأن «بعضهم يريد أن يزيجه من المشهد تماما لأسباب شخصية، لا علاقة لها بالعلم ولا الوطنية» وأن من بينهم «من يدعى الفهم والخبرة وهو لا يملكها أبدا».
فى المقال الأسبق نقلت عن عمارة تأكيده، أثناء تحاورنا على مقهى فى وسط البلد أن مشروع زراعة مليون ونصف المليون فدان فى الصحراء الغربية الذى أطللقه الرئيس وسط دعاية صاخبة سيفشل لأنه لم يجر وفق دراسة جدوى. وها هو الرئيس نفسه يقول خلال أعمال الملتقى الثالث للشباب الذى انعقد بالإسماعيلية الأسبوع الماضى: «الحكومة لم تنفذ مشروع المليون ونصف المليون فدان.. فوزارة الرى والزراعة تحدد المياه والأراضى وتتراجع مرة أخرى وأنا لا أشكوها لكم.. بل أحدثكم عن حالنا». وهذا ليس سوى تمهيد الرأى العام للنتيجة التى انتهى إليها عمارة، وحذر منها خلال مكالمة الرئيس له، وكذلك فى المقالات التى كتبها ليعلق على المشروع، بعد زيارة ميدانية له. فالوزارتان، ورئيس الوزراء نفسه، مجرد سكرتارية لدى الرئيس، وبوسعه أن يأمرهما، ولا يشكوهما، لكن المشكلة: بما يأمر الرئيس ولا توجد خطة مقنعة ومتفق عليها من البداية حول هذا المشروع؟
أما القمحاوى فقال ناقش فى مقاله بالمصرى اليوم المنشور يوم الثلاثاء الماضى بعنوان «وقد لا نجد أوراق الشجر» التصور العام الذى حواه مقاليى السابقين، وحين جاء إلى المسائل الشخصية التى انشغلت بها الميليشيات قال نصا: «الجانب الشخصى فى القضية فتح الباب للميليشيات الشتّامة ضد مستثمر مجتهد وكاتب لم يُضبط يوماً متلبساً بالوقوف ضد العدل، وقد صارت اللجان الإلكترونية أحد مظاهر الانحطاط السياسى الذى نعيشه، لكن رؤية محمود عمارة للنهضة الزراعية بحاجة إلى نقاش»، ثم أكد أن ما تحتاجه مصر ليس فقط «مسار استثمار»، كما يطرح عمارة، إنما «فلسفة تنمية شاملة».
رد الفعل الثالث كان من الدكتور عمارة نفسه، فقد طلبت منه أن يكتب مقالا يرد فيه على ما وجه إليه من انتقادات واتهامات، عملا بحق الرد الذى كفله له القانون وأخلاقيات الصحافة، ليذهب عنه الغضب العارم من مقالى السابق، لكنه قال لى: «لم أعتن طيلة حياتى بالرد على كثيرين هاجمونى حسدا من عند أنفسهم، أو غيرة من نجاحى، أو استجابة لطلب أحد منهم أن يكيدوا لي»، وبدلا من هذا أرسل لى وثائق تبرئ ساحته من اللغط الذى أثاره البعض عن الأرض التى قام باستصلاحها وزراعتها، وكان قد أرسل لى كتبه والتى حوت سيرة ذاتية له تفيد نصا بأنه «كان أول عربى يحصل على جائزة غرفة التجارة والصناعة فى فرنسا لأفضل شركة عام ١٩٩٤، وأنه أسس قرابة ١٦ شركة على مستوى العالم من بينها شركات إنتاج سينمائى، وأن له ست مؤلفات ونشر مقالاته بعدة صحف مصرية، وهو مؤسس الجالية المصرية فى فرنسا ورئيسها السابق، ورئيس الاتحاد العام للمصريين بالخارج سابقا، وأنه حاصل على ليسانس الحقوق جامعة القاهرة، وحاصل على الدكتوراه فى الاقتصاد السياسى من جامعة السوربون بباريس». وعلى أغلفة هذه الكتب شهادات على تجربته العملية فى فرنسا بأقلام كتاب كبار هم الأساتذة كامل زهيرى، وعبد الوهاب مطاوع، وكمال عبد الرؤوف ومحمد العزبى وجلال الدين الحمامصى وموسى صبرى، بينما أرسل لى هجوم اثنين عليه هما سمير رجب وعبد الله كمال، وقال إن هذا كان ردا على نقده اللاذع للسياسات الاقتصادية فى عهد المخلوع حسنى مبارك. وفى المقابل أرسل لى شهادة من وزير المالية فى العهد نفسه الدكتور محى الدين الغريب يقول فيها نصا: «أنت لا تعرف مقدار سعادتى للتواصل معك، فأنا لن أنسى حبك لمصر منذ اللقاءات التى تمت فى الهيئة العامة للاستثمار عام ١٩٨٧ وحتى آخر عام ١٩٩٥ وما بعدها عندما كنت وزيرا للمالية، فقد وضعتم خبراتكم من أجل مصر، وأتمنى أن تتمكن بلدنا فى هذه المرحلة من الاستفادة من خبراتكم العالية فى إنتاج وتسويق الخضر والفاكهة فى السوق الأوروبية». وأرفق مع هذا صورة تجمعه بمبارك فى قصر عابدين، وقال: «طلب منا نحن رؤساء جاليات مصرية بالخارج أن نساعد مصر، وتم تكليفى بفتح بوابة للمنتجات الزراعية فى أوروبا، بحضور عمرو موسى ومحيى الدين الغريب».
كما أرسل لى عمارة على «الواتس آب» يقول: «عُرضت علىّ وزارة الزراعة فى حكومة الدكتور عصام شرف، ورفضت، ووزارة الاستثمار فى حكومة الجنزورى ورفضت أيضا، ثم وزارة الزراعة مرة أخرى قبل صلاح هلال، وشرحت لجهاز الرقابة الإدارية فى اجتماع، على مدار ثلاث ساعات ضرورة أن تكون لى صلاحيات كاملة.. بل قلت للفريق أحمد شفيق لو ترشحت للرئاسة، ونجحت فلن أعمل معك وزيرا، لأن البلد فى حاجة إلى نسف كل التشريعات الفاسدة والمعوقة.. وفى النهاية قررت أن أعود لحياة الغربة». وأرسل لى عمارة صفحات من صحف أمريكية، إحداها تقول: «المصريون نوروا الساحل الذهبى» وهنا يقول هو «زرعت ثلاثة آلاف وخمسمائة فدان فى ولاية فلوريدا الأمريكية، فلما جئت إلى مصر خصص محافظ البحيرة أحمد الليثى لشركتنا خمسمائة فدان بوادى النطرون، وبعد زراعتها، ثبت أنها تابعة للآثار فخسرت كل شىء، ثم تم تخصيص ألف وثمانمائة فدان، فدفعت المقدم، ولم أتسلم الأرض، ولم أسترد ما دفعته رغم مرور عشر سنوات على ما جرى».
فى النهاية، لم أكن أود التطرق إلى كل هذه المسائل الشخصية لولا الهجوم الشديد على عمارة، والذى نشرت تفاصيله كاملة فى مقالى السابق، وكان من الواجب أن يعطى الرجل فرصته ليدافع عن نفسه. فما دار بينى وبينه، كما ظهر فى المقال الأول، هو نقاش عام حول الأوضاع فى البلاد، وكنت أعتقد أن الناس ستنشغل بتحذيره من مغبة أن نضطر إلى أكل الشجر والكلاب إن مضينا بلا خطة سنوات أخرى بينما عدد السكان يزيد على هذا النحو، بدلا من أن تنهال على شخصه تقريعا وتقبيحا وتوبيخا، وهذا ما يلاقيه كل من يختلف مع سلطة لا تملك ردا منطقيا على من ينتقدونها سوى بتحريض ميليشياتها الإعلامية والإلكترونية لتنهش فيه بلا ورع ولا تحسب ولا حتى احترام للقانون.

د. عماد جاد - مسار العائلة المقدسة (٣) - جريدة الوطن - 5/5/2017

المسار الذى سلكته العائلة المقدسة فى طريقها من فلسطين إلى أرض مصر معروف بدقة، وهناك خرائط تفصيلية عن النقاط التى استقرت أو استراحت فيها العائلة، والمدد الزمنية التى قضتها فى كل نقطة من النقاط على أرضنا المباركة، بل وهناك معلومات تفصيلية عن الآثار المتبقية فى كل نقطة من هذه النقاط. هذا المسار، البالغ طوله نحو الألف كيلومتر داخل أراضينا، يضمن ما بين ٢٥ إلى ٣٠ نقطة استراحت أو استقرت فيها العائلة المقدسة، هذا المسار يمكن أن يتحول إلى منطقة سياحة عالمية تجذب السياح/ الحجاج من شتى أنحاء العالم، فما قاله الحبر الأعظم بابا روما، فرنسيس الثانى، من أنه جاء إلى أرض مصر كـ«حاج سلام» هو رسالة للكاثوليك فى شتى أنحاء العالم بأن أرض مصر أرض مباركة ينبغى الحج إليها، ونحن نعلم أن الحبر الأعظم له سلطة روحية على نحو مليار وثلاثمائة مليون كاثوليكى حول العالم، منهم ٨٠٠ مليون فى أمريكا اللاتينية وحدها، واللاتين شعب متدين، مسالم، هادئ ومتسامح أيضاً.
وفى تقديرى فإن إتمام مثل هذا المشروع العملاق يقتضى تعاوناً وتنسيقاً على مستوى عالٍ مع الفاتيكان، ولبطريرك الأقباط الكاثوليك، إبراهيم إسحق، نفوذ وتأثير قوى، وما أكثر رجال الدين المصريين الصعايدة حول الحبر الأعظم، جميعهم على استعداد للقيام بكل ما هو مطلوب لدعم بلادنا مصر ومساعدتها، وفى تقديرى أن الخطوة الأولى تبدأ بإقرار الدولة على أعلى مستوى خطة شاملة لتطوير وتحديث مسار العائلة المقدسة، ثم بعد ذلك يجرى تشكيل مجموعة عمل من شركات السياحة المصرية، الشركات العقارية، وزارتى السياحة والآثار، الكنيستين القبطية الأرثوذكسية والقبطية الكاثوليكية، وعدد من الشخصيات العامة ورجال الأعمال، يتم تقسيم المجموعة إلى فرق عمل متنوعة منها مجموعة تتولى جمع كافة الخرائط والمعلومات والبيانات المتعلقة بالرحلة، مجموعة ثانية تتولى القيام بزيارات ميدانية لمسار العائلة وتضم فى عضويها مهندسين من مختلف التخصصات لدراسة المواقع ووضع تصور للمشروعات التى تحتاجها كل منطقة من هذه المناطق، ومجموعة ثالثة تتولى عملية الترويج للمشروع عالمياً وتضطلع بمسئولية تدبير التمويل اللازم لهذا المشروع العملاق الذى ينبغى أن يكون خاصاً بالكامل، بمعنى أن الدولة لا تساهم فيه بدولار واحد، ويتنوع التمويل ما بين مصرى خاص وأجنبى، والمصرى الخاص يعتمد على تصور استثمارى من قبَل المطورين العقاريين المصريين والشركات العقارية الكبرى، أما التمويل الأجنبى فلا بد أن يبدأ باجتماع مع بطريرك الأقباط الكاثوليك، الأنبا إبراهيم إسحق، ثم زيارة للفاتيكان لطرح المشروع على الحبر الأعظم، فيمنحه بركة، ومنح البركة هنا سيكون بمثابة رسالة للشركات العالمية الكبرى بالمساهمة فى المشروع، وربما تساهم شركات تابعة للفاتيكان فى المشروع، المهم هنا هو تدبير التمويل اللازم، أياً كان حجمه، لتدشين المشروع، الذى أتصور أنه يتجاوز عشرات المليارات من الدولارات، ويمكن طرح فكرة أن يتولى افتتاح المشروع بعد إتمامه الحبر الأعظم بابا الفاتيكان، فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وغيرهم من كبار رجال الدين، ففى ذلك خير دعاية لبلدنا العريق كبلد متنوع متعدد محب للسلام، وزيارة الحبر الأعظم ومشاركته فى افتتاح المشروع ستكون بمثابة رسالة لكاثوليك العالم أن تعالوا إلى مصر للسير على درب العائلة المقدسة، حيث سار السيد المسيح والعذراء مريم ويوسف النجار. ما يهمنا أن هذا المشروع الذى لن يكلف الدولة دولاراً واحداً سيضع بلادنا على خريطة السياحة العالمية، ويجعل منها قبلة لمن يريد السير على دروب سار عليها السيد المسيح طفلاً، ولدى يقين أن هذا المشروع سوف يدر على بلدنا عشرات مليارات الدولارات سنوياً.

خالد منتصر - ماذا سيفعل شيخ الأزهر مع 6000 إخوانى عنده عيّنهم عصام شرف؟! - جريدة الوطن - 5/5/2017

وصلتنى هذه الرسالة المهمة من الباحث ماهر فرغلى، المتخصص فى دراسة حركات الإسلام السياسى، وأتمنى الرد من مؤسسة الأزهر على أسئلته تحقيقاً للصالح العام وعدم اعتبار أى تساؤل أو نقد هو نقد للإسلام كما قيل فى بيان الأزهر الأخير، وإذا كان كلامه صحيحاً فليتم اتخاذ إجراءات التطهير من الإخوان، وإذا كان كلامه خاطئاً فسننشر تصحيحكم لتلك الوقائع التى ذكرها وسنعلن على الملأ أن الأزهر ليس فيه إخوان، يقول «فرغلى»:
مرة أخرى أكتب عن الأزهر، وهو من وازع دينى ووطنى بحت، ولا علاقة له مطلقاً.. لا بأشخاص، أو مؤسسات، أو أى هيئة ما.
السؤال عن محمد السليمانى، وهذا الرجل هو مستشار شيخ الأزهر لتحقيق التراث، وهو جزائرى، وممنوع من دخول الجزائر.. حصل على الجنسيتين الصربية والإيطالية مكافأة له على إنجاح والده الشيخ السليمانى اللقاء الذى تم فى سانتى جيديو بروما للحركات الإسلامية الجزائرية عام ١٩٩٤.
الشيخ الطيب جلس سبعة أشهر للتفرغ للقراءة فى المكتبات، والتقى السليمانى فى فرنسا.. أخت السليمانى متزوجة من سعودى سلفى بمكة، وهى دكتورة، ومحققة كتب تراث مثل شقيقها الذى حصل على إقامة طويلة الأمد بالمملكة.
السليمانى من جماعة إخوانية قطبية تسمى بالجزائر «الجزأرة» بقيادة محمد سعيد، وهى معروفة بالاغتيالات، فهى التى اغتالت اليد اليمنى للشيخ محفوظ نحناح زعيم إخوان الجزائر الشيخ بوسليمانى.
محمد السليمانى تربطه علاقات مع أجهزة أمنية إيطالية، وراتبه من إيطاليا، هو وبعض المستشارين الذين كانوا يومياً بالاتحادية أيام مرسى وعند مدير ديوانه المستشار السابق للشيخ الطيب، السفير الطهطاوى.
محمد السليمانى، هو من اضطلع بدور التقريب بين الأزهر والسعودية، ونجح فى ذلك كثيراً، لأنه سلفى من أخمص قدميه لمفرق رأسه، وجمع المئات من طلابه فى تحقيق التراث بالأزهر، واختارهم بعناية، حيث كلهم سلفيون.. ولاحظوا أن من يقوم بتحقيق التراث هم سلفيون أصوليون متشددون، فلا تستعجبوا أن لا يحدث أى تقدم فى موضوع تجديد الخطاب الدينى حتى الآن.
لم يكن هؤلاء السلفيون فقط وحدهم داخل المؤسسة العريقة، بل وحتى عام 94 كان الإخوان قد سيطروا على أغلب أروقة هذه المؤسسة، ولما اندلعت الثورة فى 25 يناير تم اختيار معظم المستشارين منهم، كما أعيد تشكيل هيئة كبار العلماء لتشمل فيما شملت رجالاً لم يكونوا يلبسون عمامة الأزهر، مثل حسن الشافعى، فلبسوا العمامة حين تم تكليفهم بأن يكونوا أعضاء فى أكبر هيئة دينية، ولاحظوا أن مستشارى الشيخ، وبعض أعضاء هيئة كبار العلماء، كانوا إما إخواناً أو جماعات تكفير، أو تابعين للجماعة الإسلامية، على سبيل المثال لا الحصر: محمد عمارة، والشافعى، ومحمود مهنا، الذى كان عضو الجماعة الإسلامية بأسيوط، وحتى غير التابعين للجماعات مثل عباس شومان، هم أصوليون متطرفون، وراجعوا فتواه الأخيرة بحرمة الاحتفال بالمولد النبوى، وهى طبق الأصل من فتوى المدرسة السلفية العلمية، رغم أنه فى تاريخ الأزهر لم ترد من علمائه الوسطيين فتوى مشابهة.
كان أكبر القرارات التى اتُخذت فى غفلة من الجميع، هو تعيين 6333 إخوانياً فى مؤسسة الأزهر، بإمضاء رئيس الوزراء الأسبق عصام شرف!!.. ولعل أهم الأسباب التى دفعت «شرف» لذلك هو صفوت حجازى الذى تم تعيينه مستشاراً دينياً لرئيس الوزراء عصام شرف، من أجل إرضاء الإخوان.
عقب تلك القرارات فوجئنا بمظاهرات الإخوان أمام مقر «الطيب»، وكان من يقودها هو محمد البلتاجى القيادى المعروف، الحاصل على شهادته أيضاً من الأزهر.
فى الناحية الأخرى، كان الشيخ على جمعة يقوم بمشروع آخر، لإصلاح دار الإفتاء، أهم ما فيه، هو هيكلة المؤسسة، ودعمها بشباب علّمهم على يديه، وأنفق على جلهم من أمواله الخاصة، ثم قام بتعيينهم فى دار الإفتاء، وكلهم لم يحصلوا على أية شهادة أزهرية، لكن فيما بعد درسوا وحصلوا على رسائل ماجستير وخلافه بدعم منه، مثل عمر وردانى، أمين الفتوى الآن، وإبراهيم نجم، ومجدى عاشور.. إلخ إلخ.
لن أفصّل فى موضوع اللوبيات، والفساد المالى، فهذا تكلم فيه آخرون، إلا أننى أضرب مثلاً بشخصية رفيعة، سأحتفظ باسمها، فى مجمع البحوث الإسلامية، وقد رأى أن الأزهر يحتاج إلى ورق لطباعة كتبه الدراسية، فقرر على الفور أن يفتتح مصنعاً شخصياً، ويورد للأزهر، ليكون كما قال لمقربين «زيتهم فى دقيقهم».
لب الموضوع أن موضوع التجديد الدينى لم يرق، ولن يرقى لكل هذا اللوبى السلفى الإخوانى مطلقاً ولا تنتظروا منه شيئاً، وسأضرب مثلاً حين تكلمنا عن كتاب الاختيار، وهو كتاب فى الفقه الحنفى يدرس فى الثانوى الأزهرى، وهو كتاب يتحدث عن جواز قتل الأسرى، وقتل الأقباط.. إلخ إلخ، قاموا بإلغائه، ثم أعادوا طباعته لكن تحت عنوان «مختارات من الاختيار»، فهى طريقة للمداراة وليست للإلغاء أو التجديد.

Thursday, May 4, 2017

خالد منتصر - مروان كنفانى يتحدث - جريدة الوطن - 3/5/2017

أن يتحدث مروان كنفانى ويكتب كتاباً عن القضية الفلسطينية ولماذا تعثرت؟ وما هو طريق الأمل لحلها؟ فهذا حدث مهم، فكل فرصنا الضائعة هى نتاج ذاكرتنا المثقوبة المعطوبة، ومروان كنفانى بكتابه «جدلية النجاح والفشل» يرمم تلك الذاكرة، مروان ليس شخصاً عادياً يهوى الكتابة ويسعى للأضواء عبر حفلات توقيع، لكنه بحكم تاريخه النضالى وقربه من الزعيم ياسر عرفات كمتحدث رسمى وخلفيته الثقافية العميقة الرحبة التى لم يكتسبها من خلال قراءة الكتب فقط، ولكنها قد تشكلت أيضاً من خلال قراءة الأماكن برحلاته المتعددة حول العالم، وقراءة البشر الذين صادف منهم كل الأطياف، والأهم من خلال علاقة الأخوة التى ربطته بواحد من أهم المبدعين والمثقفين الفلسطينيين شقيقه الغائب الحاضر غسان كنفانى، كل هذا يجعل من صدور كتابه الجديد حدثاً يستحق الاهتمام والاحتفاء ومحاولة الاستفادة والتحليل وتعلم الدرس، سأترك مساحة العمود الضيقة لبعض كلمات المناضل مروان التى لن تغنيكم عن قراءة هذا الكتاب الرائع مضموناً وأسلوباً، فما أدهشنى إلى جانب أفكار الكتاب لغته الأدبية البديعة الراقية التى كشفت عن روائى رهيف الحس، ضل طريقه إلى أحراش السياسة الوعرة!، مروان كنفانى يشرح ما دفعه بعد كل تلك الفترة إلى كتابة هذا الكتاب فيقول:
دفعنى لكتابة هذا الكتاب، بعد عزوف طويل عن المشاركة فى العمل والنقاش السياسى، ما قرأته ذات ليلة فى إحدى وسائل التواصل الإلكترونى التى أصبحت، لحسن أو سوء الحظ، أرضية خصبة يستعملها الفلسطينيون بالذات لتبادل الآراء والأخبار، والخلاف والاتهامات، والشتائم أيضاً، شاب من حركة فتح يتحدث عن الوضع الحالى، ويدافع عن موقف السلطة الفلسطينية والرئيس عباس من الأزمات الحالية التى تعانى منها قضية فلسطين وشعبها، ثم عشرات من التعليقات بعضها مؤيد لما يقول، وبعضها الآخر معارض، وكلتاهما تغلف معارضتها أو تأييدها بأقبح الكلمات النابية والأوصاف المخجلة التى طالت والدة المتحدث الفتحاوى وإخوته ووطنيته، ولم تستثن من السباب الرئيس «أبومازن» نفسه وحتى الرئيس الشهيد ياسر عرفات، ولم يقصر مَن أيدوا الكاتب بالمساهمة بنفس الأسلوب، فى عرض مشين ومبتذل باسم الوطنية يندى له الجبين خجلا وألماً.
كيف انحدرنا لهذا الدرك السياسى والأخلاقى الذى يتعارض مع قداسة قضيتنا وتراثنا وتعاليم ديننا؟، كيف نجرؤ على التعرض للشهداء، كل الشهداء، الذين قدموا أعز ما يملك الإنسان فى سبيل الوطن والشعب؟ ثم لماذا نلوم هؤلاء الشباب على السير على خطى بعض قياداتهم ومتحدثيهم، وبياناتهم التى تتهم بعضها البعض بالعمالة والخيانة وما بينهما من أوصاف مشينة منذ سنوات طويلة وما زالوا؟، هل الانقسام والخلاف وتخوين الآخر فرض واجب على الفلسطينيين؟ وكيف انتهى كفاح أجدادنا وآبائنا وتضحيات شعبنا وأرواح شهدائنا وخراب مجتمعنا؟ كيف انتهى كل ذلك إلى خروجنا من بلادنا وتشتتنا فى بلاد المهجر وانقسامنا فى الشعب والأرض حتى فى الجزء الصغير مما تبقى لنا؟، ثلاث عشرة سنة عجاف مرت على شعبنا المقهور المعذب لم تتقدم فيها قضية بلادنا وشعبنا قيد أنملة على الصعيد السياسى أو الاقتصادى، سواء من قِبل جماعة العمل السياسى التفاوضى أو من قِبل جماعة المقاومة المسلحة، ثلاثة عشر عاماً قضاها شعبنا فى الانغماس فى اختلاف ومعارك حركتى فتح وحماس، منذ انتخابات عام 2006، إلى الحسم العسكرى لفصل قطاع غزة عما تبقى من الجسد الفلسطينى، إلى تقاسم الدخول والضرائب، إلى حكومات توافق فاشلة، إلى انحياز الأخوين الفلسطينيين المتنازعين، إلى أحلاف إقليمية ودولية متنازعة ومتصادمة، إلى اجتماعات سياحية تحت عنوان المصالحة التى لم ولا يبدو أنها ستحصل، كم ثلاثة عشر عاماً ستمر قبل أن نتحد؟!

Tuesday, May 2, 2017

سحر الجعارة - ابتسم.. أنت على «الفيس بوك» - جريدة الوطن - 3/5/2017

مصر التى فى «الفيس بوك»: جريئة ومتمردة ومشاغبة، خجول وانطوائية، مؤمنة وكافرة ومترددة، حائرة تتقلب بين وجوه البشر، بين حالاتهم وأحوالهم.. ترقص وتغنى وتغضب وتصرخ وتدعو من القلب «على مين يعاديها».
وكأنه «هايد بارك» أو «برلمان شعبى» استبدل به البشر واقعهم المأزوم بعالم أكثر رحابة، يستوعب تنوعهم واختلافهم (أو لا يستوعب)، المهم أن يشعر كل فرد أنه محلل سياسى وخبير أمنى وشاعر وكاتب وفنان من طراز لا يسمح بمنافسته.. فقد قرر أنه فوق المنافسة.
المواطن هنا أقوى من الحكومة وأكثر تأثيراً، جذاب ومبهر وأكثر انتشاراً من برامج «التوك الشو»، لأنه يعبر عن «ذاته» دون خجل أو مواربة، دون تجمل أو دبلوماسية.
ملايين البشر اختاروا أن يؤسسوا «جمهوريتهم» داخل الشبكة العنكبوتية، أن يسكنوها ويمتلكوها، لكن الغريب أنهم أعادوا إنتاج واقعهم بريشة فنان كاركاتير لاذع، جعل الواقع أكثر فجاجة وإيلاماً للبعض! فى «جمهورية الفيس بوك» أسماء مستعارة، وصور مفبركة، وأخلاق مزيفة، وقناعات مفتعلة تتبدل كل يوم، إنها جمهورية بألف وجه، ومالك الفيس بوك نفسه «مارك زوكربيرغ» قرر أن يلعب بعقلك ومشاعرك، ويصنّفك تصنيفاً حاداً مع من يشبهونك، لتجد نفسك فى صباح الجمعة تنشر بوستات «جمعة مباركة» ومن حولك أصدقاء كثر يرددون نفس المعنى.. أو تنشر أنت والأصدقاء لوحات دينية (مسيحية وإسلامية).
إذا نظرت من الجهة المقابلة، ستجد «مارك» قد وضعك فى خانة «ليبرالية» لا تعترف بالجمع ولا الآحاد، كل أيام الله مباركة، خانة لا تشترط الديانة لتحديد شخصيتك، يكفى أن تكون إنساناً، أن تعترض على «تفخيذ الطفلة» أو تناصر حقوق الأقباط، وتدريجياً لن تعترض على وجود «البهائيين» ولن تنتقد الملحدين.. ربما نضجت على نار الاحتكاك بالآخر أو التزمت بحياد يجنبك الصدام.
لكن الصدام قائم، والفتنة موجودة، فهذا «عالم حر» بعيداً عن قوانين مطاطة جاهزة لرميك خلف القضبان، بتهم «تهديد الأمن والسلم الاجتماعى، وإشعال الفتنة الطائفية».. فمصر التى فى الفيس بوك متعصبة بالفطرة، مغرمة بالكراهية.
«جمهورية الفيس بوك» لها قانونها الخاص، فهى لا تعترف بمطالب نائب، فى المجلس الموقر، يبحث عن قانون لغلق مواقع «التواصل الاجتماعى» أثناء الانتخابات الرئاسية المقبله، وغلقها أيضاً أثناء أى انتخابات أخرى تجرى بمصر، بزعم منع تأثيرها على إرادة الناخبين.. لقد صُممت مواقع التواصل الاجتماعى خصيصاً للتأثير فى اتجاهات الرأى العام وتوجيه إرادة الناخبين!.
إنها «أحزاب معارضة» شرسة، تقيس الواقع على برنامجها، فترفض اتفاقية «تيران وصنافير» أو قانون «تنظيم تعيين رؤساء الهيئات القضائية»، تناقش «شيخ الأزهر» وتقيّم أداء «الكنيسة»، وتناكف أى مسئول أو كاتب أو صاحب رأى طالما ارتضى أن يدخل أرضها.
مصر التى على الفيس بوك: «وطنية» حتى النخاع، تستبسل فى تأييد الرئيس «السيسى»، وتفتك بخصومه، (أو من تراهم هكذا)، وتعزف نغمة واحدة لتأييد أى حدث وطنى.. لكنها «فاشية» أحياناً تصادر الآخر، وتصنّفه إما فلول أو إخوان وتغتاله بالتشهير وكليبات القص واللزق!
أما «نجوم التواصل الاجتماعى» فشعارهم «البقاء أون لاين حتى الموت»، نجوميتهم لا تقاس بالخبرة أو الحكمة أو المعرفة، بقدر ما تقاس بالصمود فى أى نقاش والتحدى فى أى جدال.. وكثرة «المتابعين».. والآن بدأ العالم الواقعى يبحث عن نجومه من بينهم، ليكتبوا فى الصحف، ويظهروا على الشاشة، وكأنه تبادل متابعين بين الواقع والعالم الافتراضى.
مصر التى على الفيس بوك: «حزينة»، «جائعة»، تشكو غلاء الأسعار، وجشع التجار، وتطرح أصنافاً بديلة للبروتين الحيوانى، ووصفات لعلاج أعراض أكل «لحم الحمير».. لكنها «راضية»، مستسلمة أحياناً لا تملك إرادة التغيير.
مصر التى على الفيس بوك: «عاشقة» و«مبدعة»، لا تبحث عن الديانة إلا لتقفز على خانة «الحالة الاجتماعية»، وكأن الشبكة العكنوتية خيوط حريرية تجدل أحلام الصبايا والأرامل وتقدم البدائل للأرمل والمطلق.. وتطرد عن ذهنها كل ما ذكرته من خلافات سياسية وصراعات دينية.. لأنها تبحث فقط عن «ابن أو بنت الحلال».
إنه عالم ثرى، تافه وعميق، نحبه رغم غرابته، ونتشبث بجودنا فيه تعويضاً عما نفقده فى الواقع، تختار فيه أن تكون نفسك أو تكون عكس نفسك بـ«حساب وهمى»، تتمتع فيه بحق «الحظر» بينما الواقع يخترق خصوصيتك ويؤثّم أفكارك ويجرّم مشاعرك.
إنه العالم الذى يمنحك حرية غير مشروطة، وبهجة مجانية، العالم الذى يعترف بك فى هيئة «قطة أو كلب» ما دمت تحمل وردة أو قلباً، لكنه أيضاً العالم الذى يضعك دائماً فى مفترق طرق بين نقيضين.. وعليك وحدك أن تختار.
ارسم «سمايل فيس»، وخذ صورة «سيلفى»، فأحياناً يكون هذا جواز المرور لدنيا الفيس بوك.. واحتفظ بكلمة السر بعيداً عن شريك/شريكة حياتك.
كن نغمة، أو لوحة، أو حكمة.. ستجد هناك دائماً عقلاً يفهمك وآخر يرفضك.