Translate

Tuesday, May 2, 2017

خالد منتصر - وهم الإعجاز.. البذرة مصرية والثمرة مغربية - جريدة الوطن - 3/5/2017

منذ نحو خمسة عشر عاماً كنت قد كتبت سلسلة مقالات بعنوان «وهم الإعجاز العلمى»، صدرت بعدها فى كتاب بنفس العنوان، تحدثت فيها عن ظاهرة ما أطلق عليه الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة وخطرها على الدين والعلم على السواء، وكان د. زغلول النجار وقتها قد أفسح له المجال وفتحت أمامه أبواب الصحف والفضائيات المصرية ليعرض بضاعته الإعجازية على الناس، لدرجة أنه كان يكتب مقالاً أسبوعياً وبشكل منتظم على صفحة كاملة فى أكبر جريدة مصرية وهى «الأهرام»، ويقابل بكل السرور والحبور من الدولة التى كانت بالطبع تعرف إخوانيته، ولكنها فى إطار صفقة «لكم الشارع والناس ولنا الكرسى والسلطة»، تركت ولمعت كل الزغاليل الذين زيفوا الوعى ودمروا العقل والوجدان المصرى، بالطبع عندما صدر الكتاب انهال السباب وتطايرت الشتائم على العبد الفقير إلى الله، تم تكفيرى ولعنى على المنابر وفى الفضائيات نتيجة حماقتى وتجرئى على نقد د. زغلول ودخولى إلى حقل الألغام، حيث تزدهر بازارات الإعجاز وبوتيكات الوهم!، وبلغت الحرب ضد الكتاب ذروتها حين حاول د. فوزى فهمى وقتها طباعته فى مكتبة الأسرة لأنه اقتنع بفكرة الكتاب وكان يلمس مثلى خطورة تلك الظاهرة على تغييب العقل المصرى وتخديره بالأوهام، وافقت لجنة مكتبة الأسرة بالكامل على الكتاب ولكن د. على جمعة، الذى كان قد قرأ الكتاب أرسل للجنة فرماناً بمصادرة الكتاب وعدم نشره على الجمهور المصرى لأنه سيثير الفتنة، ولأن فيه إنكاراً لما هو معلوم من الدين بالضرورة!!، وحتى هذه اللحظة لم أعثر على آية واحدة فى القرآن تقول إن هذا الكتاب الجليل المقدس هو كتاب فيزياء وكيمياء وبيولوجى، ولم أجد حديثاً أو حتى نبوءة بأن د. زغلول يعتبر من المقدسات أو من ضمن الصحابة ويجب ألا يمس أو ينتقد!!، وأيضاً لم أعثر على دليل يقول إن من ينكر أن القرآن قد تحدث عن نظرية النسبية هو منكر لما هو معلوم من الدين بالضرورة!!، بالطبع لم يطبع الكتاب مرة أخرى وظل مطارداً منفياً حتى هذه اللحظة، ولكنه انتشر على النت انتشاراً رهيباً، تمضى الأيام وإذا بشباب من المغرب يرسل لى رسائل على الإيميل وإنبوكس الفيس بوك يخبروننى بأنهم قد قرأوا كتابى المتواضع وأنهم مقتنعون بكل كلمة فيه، وأن منهم من ناقش زغلول النجار نفسه فى ندوة عقدت أخيراً هناك وأحرجه ولم يجد منه رداً مقنعاً، لدرجة أنه غضب واتهمهم بأنهم عصابة أشرار!!، ويشكروننى على هذا الكتاب، أخيراً بعد خمسة عشر عاماً وبعد كل هذا الهجوم الشرس والسباب السافل والتهديد الصارخ والتربص الخانق، يظهر لى بريق أمل، ولكنه شعاع ضوء من نافذة الغرب من فاس، حيث عقدت ندوة زغلول النجار، تهاوت الأسطورة الكرتونية وانقشع غبار الوهم على أرض المغرب، أحرجه الشباب المغربى بأسئلة منطقية، حاصروه بمعارف القرن الحادى والعشرين التى من خلالها وبضغطة على الكى بورد عرفوا وتيقنوا أن كل ما يردده زغلول النجار فبركات وتلفيقات وبضاعة أتلفها الهوى الفاسد للإسلام السياسى الذى لم يترك ثغرة اجتماعية ولا إعلامية إلا ونفذ منها ليخرب العقل ويسمم الروح، كنت أتمنى أن يكون هذا على أرض مصر المحروسة، ولكن العالم صار قرية صغيرة وما حدث فى «فاس» لا بد أن نجد صداه قريباً فى القاهرة، تعلمت من شباب المغرب الذى أنقذنى من إحباطى أن دورى هو أن أبذر البذرة ولا أنتظر الحصاد، وأيضاً ألا أخاف من غربان الحقل وخفافيش الكهوف، فحتماً ستثمر البذرة ويبزغ النور، ولا بد من دفع فاتورة التنوير الذى للأسف نقاومه ونخشاه برغم أنه الحل والأمل.

د. عماد جاد - مسار العائلة المقدسة (٢) - جريدة الوطن - 3/5/2017

فى زيارته التاريخية لبلادنا، كرر الحبر الأعظم، البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، كلماته التى تقول إن أرض مصر مباركة، فعلى جبل سيناء تحدث الرب الإله إلى موسى، وتسلّم الأخير منه لوحى الشريعة ومكتوب عليهما وصايا الله العشر لبنى البشر. كرر الحبر الأعظم أيضاً ما يفيد أن مصر مباركة لأن إليها لجأ السيد المسيح والعائلة المقدسة بطلب إلهى حتى ينجو من مذابح هيرودوس الملك، وعلى أرضها المباركة قضى السيد المسيح ثلاث سنوات ونصف السنة متجولاً من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، وعندما انتهى الخطر تحقق ما هو مكتوب فى العهد القديم متنبئاً عن السيد المسيح «من مصر دعوت ابنى» و«مبارك شعبى مصر».
من بين ما قاله الحبر الأعظم عن مصر أنها أرض حج مسيحى، وأن زيارته تأتى فى هذا السياق، أى إنه جاء إلى مصر كحاج سلام. ما تعنيه أقوال بابا الفاتيكان أن مسيحيى العالم عليهم أن يحجوا إلى مصر ويزوروا البلاد التى باركها السيد المسيح والعائلة المقدسة وأن يسيروا فى الطرق والدروب التى سار عليها، لا سيما أنها مسافة طويلة من العريش حتى أسيوط، وهى مسافة تقترب من الألف كيلومتر. ولا بد أن ندرك فى مصر خطورة وأهمية ما ورد على لسان بابا الفاتيكان ونقلته نحو ١٥٧ دولة على الهواء مباشرة، وأن بابا الفاتيكان هو الأب الروحى الوحيد لنحو مليار وثلاثمائة مليون كاثوليكى حول العالم، وأن كلمات البابا بالنسبة لهم مسلّم بها، وهناك نحو ٨٠٠ مليون كاثوليكى فى أمريكا اللاتينية هم أكثر الكاثوليك تديناً والتزاماً بكلام الحبر الأعظم. خلاصة القول أن كلمات الحبر الأعظم بابا الفاتيكان قد وضعت مصر على خريطة السياحة الدينية التى يمكن أن تدفع عشرات الملايين من المؤمنين الكاثوليك وغيرهم إلى زيارة مصر للسير فى مسار العائلة المقدسة والإقامة فى المواقع التى أقامت فيها العائلة، وهى تقترب من ٣٠ مكاناً فى الشمال والجنوب والشرق والغرب؛ من العريش فى أقصى شمال مصر الشرقى إلى جبل درنكة فى محافظة أسيوط وسط صعيد مصر.
السؤال هنا: هل نحن جاهزون لاستقبال عشرات الملايين من الحجاج المسيحيين؟
الإجابة: لا.
السؤال: هل يمكن أن نستعد لذلك جيداً؟
الإجابة: نعم.
السؤال: كيف يمكن تحقيق ذلك؟
الإجابة: بتجميع كل الدراسات ومشروعات التطوير التى أعدتها وزارة السياحة المصرية على مدار السنوات الماضية، وتلك التى أعدتها شركات مصرية خاصة، والاستعانة بتراث الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الذى يحدد بدقة مسار العائلة والمناطق التى أقامت فيها وفترات الإقامة التى تقول إن أطولها كان فى المنطقة الموجود فيها حالياً دير المحرق. تشكيل لجنة مصغرة من ممثلى شركات القطاع الخاص والأشخاص الذين درسوا الملف جيداً، وتكليف شركة عالمية بدراسة جدوى المشروع اقتصادياً والتكاليف اللازمة والمراحل الزمنية للتنفيذ، ثم بعد ذلك يُجرى الاتصال ببطريرك الأقباط الكاثوليك فى مصر، البطريرك إبراهيم إسحق، ويُطلب منه ترتيب لقاء للمجموعة المصرية مع الجهة المسئولة فى الفاتيكان، ويطلب بشكل واضح بركة الحبر الأعظم ودعوته للبنوك الأوروبية الكبرى بتمويل إنشاء البنية التحتية لمسار العائلة المقدسة فى مصر، ثم دعوة الشركات العملاقة فى العالم العاملة فى مجال الإنشاءات كى تتولى تنفيذ المشروع بالتعاون مع شركات مصرية كبرى، شخصياً تحدثت مع ثلاث من أكبر الشركات المصرية العاملة فى هذا المجال، تحدثت مع المهندس منير غبور، والمهندس نجيب ساويرس، والمهندس ماجد حلمى، رئيس مجلس إدارة شركة وادى دجلة العقارية، وقد رحبوا بالدخول فى المشروع وتولى تطوير نقطة أو أكثر من نقاط مسار العائلة المقدسة.
ما ننتظره هو تحرك سريع للبدء فى خطوات تنفيذ هذا المشروع الذى أثق أنه سيدفع بنحو ١٥ - ٢٠ مليون سائح أجنبى لزيارة مصر مرتين فى العام، والذى سيدر على مصر عشرات مليارات الدولارات سنوياً، فضلاً عما يحدثه من قفزة كبرى فى الإنتاج والتصنيع والخدمات المرتبطة بزيارة هذا العدد الهائل من السياح.

زيارة البابا فرنسيس! بقلم د.عبد المنعم سعيد ٢/ ٥/ ٢٠١٧ - المصرى اليوم

زيارة البابا فرنسيس إلى القاهرة هى زيارة تاريخية بكل المقاييس، وربما كان الأهم من تاريخيتها أنها جاءت فى وقتها تماما بالنسبة لمصر والمنطقة. بالنسبة لمصر، لأنها تتعرض لأخطر الاختبارات التى عاشتها فى تاريخها الطويل، عندما وقع الأقباط المسيحيون تحت وطأة الاستهداف على أساس الدين من قبل الإرهاب؛ فأصبجت الدولة المصرية القائمة على الوطنية والتجانس السكانى موضع شك لا يتحمله المصريون.
وبالنسبة للمنطقة، فإنها باتت تعيش فى اختبار أكثر قسوة حينما باتت دول عديدة فى المنطقة تواجه أزمة وجودها كدول فى المقام الأول، سواء بسبب ديكتاتورية بغيضة، أو حركات انفصالية غاضبة، أو توغل إرهابى بشع، أو تدخلات أجنبية من كل حدب وصوب فى الإقليم أو فى العالم. وبعيدا عن الدخان المتصاعد، والحرائق المستعرة، والمدن المدمرة، والموتى والقتلى والجرحى واللاجئين والنازحين، فإن مشهدا فى العالم العربى يبدو ممثلا للمأساة والمآسى القائمة على نفى «التنوع» السكانى، يظهر فى عملية اتفاق أطراف متنازعة فى سوريا الحبيبة على التبادل السكانى بين المناطق، فيذهب الشيعة إلى حيث يوجد الشيعة، والسنة إلى حيث يوجد السنة، فنصل إلى حالة نقية من التطهير العرقى. ولم يجد الإرهاب مشكلة أخلاقية فى تفجير حافلة وسطها ساعة التبادل البشرى فتختلط الدماء والجثامين فى لحظة درامية بشعة لا تعرف سنة ولا شيعة. ومع تكرر المشهد لأكثر من مرة، فإن النهاية لا تحتاج الكثير من التنبؤ بما سوف يكون عليه الحال فى مستقبل ليس ببعيد.
ولا يعرف أحد متى وصلت المأساة إلى هذا الحد، ولكن المؤكد أنه كانت هناك دوما مقاومة لوقف الاندفاع نحوها، حينما شهد العام ١٩٩٤ حدثا مهما، وهو صدور كتاب «الملل والنحل والأعراق»، ومعه حدثت الدعوة إلى عقد مؤتمر «حقوق الأقليات فى الوطن العربى»، خلال الفترة من ١٢ إلى ١٤ مايو ١٩٩٤ فى القاهرة.
لم يقدر للمؤتمر الانعقاد فى العاصمة المصرية، وإنما كان على الداعين له الذهاب إلى دولة أخرى- قبرص- لعقد المؤتمر. كانت العاصفة قد قامت، وانقلبت الدنيا رأسا على عقب، فاستنكرت طوائف أن توصف بالأقلية، وصدرت بيانات وزارات خارجية تشكو من مؤامرات أجنبية، وإعلام باتت مشكلته ليس الموضوع وإنما التمويل الأجنبى. والسبب أن «زرقاء اليمامة» كانت قد وضعت أصابعها على واحدة من أخطر القضايا العربية المنذرة بالكوارث فى قادم الأيام؛ ورغم استخدامها تعبير «الوطن العربى» الأثير لدى القوميين العرب، فإن «الزرقاء» كانت شديدة البصر والبصيرة، ترى ما لا يراه آخرون، وتسمع ما لا يسمعونه؛ وشهدت اليمامة إنكارا شديدا مضافا إلى الاستهجان المدوى.
الدكتور سعد الدين إبراهيم، عالم الاجتماع الكبيرـ أطال الله عمره، وأعطاه الصحة والعافيةـ كان زرقاء اليمامة، حيث كان من أوائل من تعرضوا لمسألة الأقليات فى الوطن العربى العرقية أو الدينية، مؤكدا أنها سمة أساسية من سمات الوطن العربى. وقدر أن ١٥% من سكان المنطقة العربية هم من الأقليات. وأن كل ما شهده العالم العربى من حروب وفتن داخلية ومن إراقة دماء والحروب الأهلية كان سببه تجاهل حقوق الأقليات وقمعهم بما وصل إلى استخدام الأسلحة الكيماوية.
و«الإنكار Denial» أولى المراحل المؤدية إلى الموت، وربما أنواع أخرى من كوارث الفقدان التراجيدية. وفى عام ١٩٦٩ أصدرت عالمة النفس السويسرية إليزابيث كوبلر روس كتابها «عن الموت» الذى كان خلاصة أبحاثها من معايشة الذين يخوضون تجربة الوفاة المؤكدة، وكيف يتعاملون معها. فى هذا الكتاب رأت أن من يمرون بالتجربة يعيشون خمس مراحل:
أولاها الإنكار، بمعنى رفض التشخيص القائل إن ما لديهم من مرض قد وصل إلى المرحلة التى تصبح فيها النهاية واردة. هنا، فإن المريض ينكر وجود المرض، وغالبا ما يعزوه إلى خطأ فى التشخيص أو ربما مؤامرة جعلت نتيجة التحليلات الطبية غير سليمة.
وثانيها الغضب، فبعد أن يصبح الإنكار بلا فائدة يعترى الشخص حالة من الرفض الشديد، ويعتبر أن إصابته بالذات فيها نوع من التعنت، وأنه ربما كان يصح أن يصاب آخرون بما أصيب به.
وثالثتها المساومة فبعد الرفض العنيد، فإن بعضا من اللين يأتى فى صورة التساؤل، وأحيانا المطالبة بكسب المزيد من الوقت، والتساؤل عما إذا كان ممكنا تجريب أدوية جديدة يعلم تماما أحيانا أنها غير موجودة.
ورابعتها الاكتئاب، وهى حالة من الاستسلام الغاضب والكاره الذى قد يتضمن الانسحاب عن المجتمع والآخرين فى العموم مع حالة عميقة من الحزن. والأخيرة القبول والتسليم بالقدر المحتوم والقضاء النافذ، وفيها بعض من الرضا وانتظار ما هو آت.
هذا النموذج الصالح لتحليل علاقة الإنسان بالموت يصلح تماما لفهم علاقة الأمم بالحياة، وعما إذا كانت ذات معنى مثل التقدم؛ أو أنها ليست ذات معنى فتفضى إلى الانهيار.
وقد عاش العرب «الإنكار» حتى الثمالة، وهم الآن يعيشون مراحل متداخلة من الغضب والمساومة والاكتئاب والانتظار.
وأيا كانت الحالة، فإن الثمن فادح ولا يمكن تقديره أكثر من أن هناك أكثر من مليون من القتلى، وثلاثة ملايين من الجرحى، و١٤ مليونا من اللاجئين والنازحين، وما لا يعد ولا يحصى من الخسائر المادية فى المدن والقرى والتراث، والمعنوية فى العلاقات الإنسانية، وما تبقى من وشائج وقربى.
زيارة البابا فرنسيس ومقابلته لقادة الكنائس المصرية، وخطابه أمام المؤتمر الذى عقده الأزهر لأتباع جميع الديانات، يعيد من ناحية مكانة الأزهر التى يستحقها إلى بؤرة الاهتمام العالمى، باعتباره ليس فقط منارة المعرفة فى العالم الإسلامى السنى، وإنما أيضا مكان التقاء بين البشر أيا كانت دياناتهم ومعتقداتهم.
وربما تساعد هذه الزيارة كثيرين على مراجعة موقفهم من الأزهر الشريف، ليس من مواقع «الأصولية العلمانية»، وإنما من موقع التفهم لواقع معقد، ربما يحتاج إلى تطوير وتغيير، ولكنه فى الأول والآخر واحد من أصول الدولة المصرية التى لا يجوز التنازل عنها أو التفريط فيها.
ومن ناحية أخرى، فإن الزيارة تعطى لموقع مصر من مقاومة الإرهاب مكانة إضافية، باعتبارها الجسر الطبيعى ما بين الشرق والغرب، والإسلام والمسيحية، والحضارة العربية الإسلامية وتلك الغربية.
ولا يغيب عن أحد أن كثيرين فى المنطقة يتطلعون إلى هذه المكانة، ولكنهم فى تطلعهم يفتقدون إلى واحدة أو أكثر من مقوماتها الجغرافية والتاريخية والفكرية.
الزيارة فى النهاية دليل على أن مصر يمكنها أن تخرج من الاختبار ورأسها مرفوع بما لديها من تاريخ وسوابق، تعايشت على أرضها ملل ونحل وأعراق كلها تسامحت مع بعضها، وعرفت كيف تعيش وتتعايش.
مصر هذه المركبة من حضارات العالم القديم والعالم المعاصر عبر آلاف السنين- محملة برسالة التسامح والتفاهم والسلام، التى ربما تكون عصية على البعض منا فى الفهم والتقدير، أو لأنهم يحلمون بمصر أخرى تتعصب وتتطرف يسارا أو يمينا، وعلى الأرجح هى التى سوف تنقذها مما تمر به من مصاعب وأزمات.

كيف تشرب الشوربة بالسكين بقلم د. محمد أبوالغار ٢/ ٥/ ٢٠١٧ - المصرى اليوم

هذا عنوان كتاب أهديه للرئيس وقيادة القوات المسلحة والشرطة، لعله يسهم فى إنهاء حرب سيناء. الكتاب دراسة عن كيفية الانتصار على حرب العصابات والإرهابيين خاصة فى المناطق التى يقطنها السكان، وخاصة حرب الغابات والصحراء، مثل الوضع فى سيناء حيث هناك إرهابيون يظهرون ثم يختفون، وهناك سكان وهناك صحراء.
مؤلف الكتاب الكولونيل الأمريكى المتقاعد جون ناجل، كان قائد كتيبة مدرعات فى الجيش الأمريكى والآن يقوم بتدريس الاستراتيجيات فى العلوم العسكرية فى عدة جامعات أمريكية. وكتب مقدمة الكتاب الجنرال بيتر شوماكر إحدى القيادات الكبرى للجيش الأمريكى. أهدانى الكتاب الصديق محمود الشاذلى المصرى الأمريكى ذو الشخصية الوطنية المتميزة، وهو دائم التفكير فى الوطن وخاصة الأراضى المهددة بالفقدان فى سيناء وتيران وصنافير.
يتحدث المؤلف عن الفارق بين الجيش الإنجليزى والجيش الأمريكى حين تورط كلاهما فى حرب عصابات لا تصلح معها الحروب التقليدية بالجيوش النظامية. ويوضح المؤلف أن الجيش الإنجليزى نجح فى أن يكسب حرب العصابات فى جزر الملايو وهى منطقة واسعة فى المحيط الهادى، تتبع الآن كلا من الفلبين وإندونيسيا، بالإضافة إلى بعض الجزر المستقلة (حرب من ١٩٤٨ إلى ١٩٦٠)، فى حين أن الجيش الأمريكى قد خسر حرباً كبيرة فى فيتنام لأنه استخدم الطرق التقليدية فى الحروب بالدبابات والطائرات ولكنه خسر كثيراً واضطر إلى الصلح. ويقول المؤلف إن الجيش الإنجليزى استوعب بسرعة أن الحرب التقليدية لا تصلح فى مناطق آهلة بالسكان، وسرعان ما غير تكتيكه تماماً وجذرياً واستطاع أن ينهى الحرب لصالحه. أما الجيش الأمريكى فقد استمر فى الحرب التقليدية حتى بعد أن أيقن أنه لا يمكن أن يكسب هذه الحرب فى فيتنام واستمر الضغط الشعبى الأمريكى يتزايد مع زيادة عدد القتلى والجرحى من الجنود الأمريكيين وهم مستمرون فى إلقاء القنابل والتحرك بالدبابات والمصفحات. وانهارت الروح المعنوية فى الفترات الأخيرة من الحرب. وترجع هزيمة الجيش الأمريكى وخسائره الهائلة فى الأفراد والمعدات إلى عدم قدرته على التعلم وتغيير تكتيك الحرب تماماً. وقال المؤلف إن تغيير التكتيك ليس أمراً سهلاً لجيش تقليدى، ولكن الجيش الأمريكى فى العراق بعد أن زادت خسائره فى الفترة الأولى قام بتغيير طريقته تكتيكه.
وقد تم إرسال المؤلف إلى العراق لتدريب القوات الأمريكية على طرق مكافحة حرب العصابات، وكانت وحدته فى المثلث السنى فى العراق فى مدينة الخالدية وهى كتيبة مدربة مدربة على أعلى مستوى، بينما كان المنشقون المختفون طوال الوقت يظهرون فجأة ليضربوا ضربتهم ثم يختفون.
يقول المؤلف إن الحرب على الإرهاب صعبة وبها فترات نجاح وأخرى فشل. ولخص خطته فى:
١. يجب كسب صداقة وثقة الأهالى المحليين وكانت هذه نقطة أساسية فى دعم الأمان لرجاله.
٢. يجب أن نتفهم ونتقبل درجات الولاء المختلفة من القبائل لبعضها ولنا.
٣. يجب أن تدرس بدقة ما هى طموحات ورغبات رجال القبائل، وكذلك العلاقات الأسرية وعلاقات النسب لأن هذا أساسى فى التغلب على الإرهابيين.
٤. الانتصار على الإرهابيين لا يمكن أن يتم بدون دعم سكان المنطقة. وهذا الأمر غاية فى الصعوبة وقد نجح فيه الإنجليز وفشل الأمريكان.
٥. يجب تقسيم الإرهابيين إلى درجات ومعرفة علاقتهم ببعض.
٦. المال شىء هام يجب استخدامه لكسب ولاء السكان المحليين.
٧. تحسين أحوال السكان المحليين عن طريق تعبيد الطرق والمساعدة فى إيجاد وظائف صغيرة لشبابهم.
٨. هناك دائماً علاقة بين الأهالى والإرهابيين ولكن العلاقات القبلية والقرابة والزواج تجعل الوصول إليهم صعباً. وحياة السكان الذين يتعاونون مع الجيش دائماً مهددة بالخطر.
٩. تكوين قوة حربية صغيرة من الأهالى وبالطبع سوف يهاجمون الإرهابيين من هذه القرى والتى يجب الدفاع عنها ومساعدتها بكل قوة.
١٠. يجب محاولة إعطاء حكم محلى ناجح للقبائل الموجودة حتى يساعدوا فى القضاء على ما يسمى الإرهاب.
١١. تكوين شبكة مخابرات تبدو بسيطة لأنها مبنية على معلومات من السكان المحليين ولكن على أن يكون تكوينها ونظامها على أعلى مستوى بحيث لا تعتمد على عميل واحد أو أكثر. سر نجاح هذا النوع من الحروب هو وجود شبكة مخابراتية ناجحة والفشل هو الفشل فى تكوين هذه الشبكة.
١٢. يجب عدم حرمان الأهالى أو معاقبتهم بمنع الماء أو الكهرباء أو الأكل لأنك سوف تخسرهم.
وقد علق الخبير الإنجليزى طومسون عام ١٩٦١ على حرب فيتنام قائلاً: أخشى أن يكون استخدام القوة هو بديل عن جودة إدارة الحرب. وقال المؤلف تعليقاً على حرب فيتنام: هل كان الجيش الأمريكى فى رحلة تعلم طويلة من ١٩٥٠ حتى ١٩٦٤؟.
وأخيراً الكتاب بالإنجليزية واسمه Learning to eat soup with a knife. والناشر هو The University of Chicago press. ونسختى موجودة إذا أراد أحد استعارتها. واضح من التجربة الإنجليزية الناجحة والأمريكية الفاشلة فى فيتنام والعراق أن الانتصار يعتمد على خطة واضحة حديثة تعتمد على المعلومات المخابراتية وكسب ثقة الأهالى ومساعدتهم.
قوم يا مصرى مصر دايماً بتناديك.

د. عماد جاد - مسار العائلة المقدسة - جريدة الوطن - 2/5/2017

قُبيل وصوله إلى القاهرة غرّد قداسة البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان على صفحته على «تويتر»، قائلاً: «أذهب إلى مصر كحاج سلام»، وعندما يقول بابا الفاتيكان إنه ذاهب إلى الحج فى مصر، إنما يعنى أنه ذاهب إلى أرض مباركة مقدّسة، تلك الأرض التى قضى فيها السيد المسيح والعذراء مريم ويوسف النجار (العائلة المقدسة) ثلاث سنوات ونصف السنة، هرباً من بطش «هيرودس»، الملك الذى كان يعتقد أن السيد المسيح سيرث ملكه، وسيكون ملكاً على البلاد، عملاً بقول التوراة: «وأنت يا بيت لحم اليهودية سيخرج منك ملك يرعى شعب إسرائيل»، المعنى هنا عن رسالة السيد المسيح، التى فهمها هيرودس الملك بأنها تعنى ملكاً أرضياً، أى أن المسيح سيكون ملكاً بشرياً يحل محل هيرودس، لذلك أمر بقتل كل الأطفال الذين وُلدوا فى بيت لحم من عمر سنة حتى ثلاث سنوات، فكانت العزة الإلهية للعائلة المقدسة بالذهاب إلى مصر والبقاء فيها إلى أن يزول الخطر، وعندما زال، تحقق قول الكتاب المقدس: «من مصر دعوت ابنى».
عموماً، هناك نحو ثلاثين موقعاً زارتها العائلة المقدسة، وقضت فيها فترات تراوحت بين أيام وشهور، ثلاثون موقعاً من الحدود المصرية - الفلسطينية عند مدينة العريش حتى قرية درنكة فى محافظة أسيوط، سارت العائلة المقدسة من العريش إلى بورسعيد، إلى قلب الدلتا، شرقها وغربها، إلى صعيد مصر، وما أكثر الأماكن التى زارتها العائلة المقدسة فى القاهرة من المطرية إلى المعادى، مروراً بمصر القديمة. نحو ثلاثين موقعاً، كل موقع منها يُعد بالنسبة لمسيحيى العالم بقعة مقدّسة تستوجب الزيارة والحج، هناك مواقع فى قلب الدلتا متخمة بآثار للعائلة المقدسة، فهناك حجر مطبوع عليه قدم السيد المسيح، وآبار مياه، وأشجار استظلت تحتها العائلة المقدسة.
البلد الوحيد الذى ذهب إليه السيد المسيح خارج فلسطين هو مصر، مصر فقط، وإذا كان المسيحيون يأتون من شتى أنحاء العالم مرتين فى العام إلى فلسطين للحج ونيل البركة، يذهبون إلى بيت لحم، التى وُلد فيها السيد المسيح شتاءً، وإلى القدس التى فيها صُلب وقبر وقام صيفاً، فإن المسيحيين فى العالم يمكن أن يأتوا إلى مصر مرتين فى العام أيضاً، بحيث توضع بلادنا على خريطة الحج الدينى المسيحى، فمن يأتى فى ذكرى الميلاد يضع بلادنا على خريطة الزيارة، ويذهب إلى بعض أماكن إقامة العائلة المقدسة فى مصر، وكذلك الحال لمن يأتى فى ذكرى القيامة صيفاً، يزور عدة مدن فى مصر ويقيم فى المواقع التى أقامت فيها العائلة المقدسة.
على سبيل المثال، يتعامل الإثيوبيون مع دير المحرق الذى قضت فيه العائلة المقدسة أطول فترة فى بلادنا، على أنها البقعة الأكثر قداسة، ويأتون على الدوام للحج إلى هذا الدير، ويقيمون حوله أياماً طويلة.
أعلم أن هناك مشروعات سابقة حاولت إحياء المسار، وهناك دراسات كثيرة قُدمت، وبذل وزير السياحة السابق هشام زعزوع جهوداً ضخمة، ويواصل الوزير الحالى يحيى راشد، الاهتمام بمشروع رحلة العائلة المقدسة، لكنها فى تقديرى تتم دون خطة شاملة، وبشكل موسمى، آن الأوان لطرح رؤية شاملة لمشروع مسار العائلة المقدسة تُدر على مصر عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، دون تحميل موازنة الدولة دولاراً واحداً، الأمر الذى ينقل بلدنا نقلة حقيقية اقتصادية واجتماعية وسياسية وأيضاً ثقافية.
وهو ما سوف نتناوله غداً إن شاء الله.

خالد منتصر - الله لا يحتاج بودى جاردات!! - جريدة الوطن - 2/5/2017

«علينا جميعاً واجب أن نُعلّم الأجيال الجديدة أن الله، خالق السماوات والأرض، ليس بحاجة إلى حماية من البشر، بل على العكس، هو الذى يحمى البشر؛ وهو لا يرغب مطلقاً فى موت أبنائه، بل فى حياتهم وسعادتهم؛ وهو لا يمكن له أن يطلب العنف أو أن يُبرّره، إنما على العكس، يرذله وينبذه. إن الإله الحقيقى يدعو إلى المحبة غير المشروطة، والمغفرة المجانية، والرحمة، والاحترام المطلق لكل حياة، والأخوّة بين أبنائه، مؤمنين كانوا أو غير مؤمنين».
فى رأيى الشخصى هذه هى أهم العبارات التى قيلت فى خطاب البابا فرنسيس أمام الرئيس السيسى، فكل ما نعيشه من مصائب وكوارث إرهاب هى بسبب أن هناك بشراً تلبستهم قناعة بأنهم يحمون الله بالقتل والتفخيخ والذبح والإرهاب والحرق والسحل والبتر!!، الله يدافع عن الذين آمنوا، لم أقرأ أن الذين آمنوا يدافعون ويحمون الله الذى يحتاج إلى دفاعهم وحمايتهم!!، هذا الاقتناع بأن الله محتاج إلى حماية هؤلاء الموتورين الداعشيين الآتين من زمن كهوف ما قبل التاريخ، يعطى صورة مشوهة للخالق عزّ وجلّ، ويضفى على صورة الإله المقدس خالق الأكوان ومُسير الأزمان والأقدار هشاشة بأنه يحتاج إلى تلك العصابة من الرعاع، أو حتى يحتاج إلى أمراء وسلاطين وحكام لحمايته!!، الله أكبر وأقدس وأجل وأعظم من أن تحميه فئة أو قبيلة أو دولة أو حتى العالم كله الموجود على هذا الكوكب الذى هو فى النهاية ذرة رمل تافهة وسط مجرة من ملايين ملايين المجرات!!، هل تتصورون أن خالق كل تلك المجرات والنجوم والكائنات يأتى فى النهاية ليطلب دعمكم ضد من يستطيع -فى جزء من الثانية- تبخيرهم إذا أراد؟!، أنا أطرح أسئلة منطقية وأمارس معكم لعبة تشغيل المخ واستفزاز خلاياه المخدرة، لا أقدم حقائق ولا أعرض قناعات، لكننى أدعو إلى لحظة تفكير، رسالة إلى كل من يصرخ وتنتفخ أوداجه وتنتفض عروقه وهو يصرخ «سأذهب بتفجير كذا، دفاعاً عن الله» أو «سأقتل المفكر المرتد فلاناً لأنه تطاول على دين الله، وأنا مكلف بحماية الله وحماية دينه».. إلخ، الله يريدك أن تعمر الأرض، أما مسألة أن تعمل لدى الخالق جلّ جلاله كبودى جارد فهذه مسألة عبثية، الله كفيل بحماية دينه وكتابه ورسله وأنبيائه ولم يوكل أحداً، ولم يمنح تفويضاً لسيادتك أو غيرك لتقتحم على الآخرين خصوصيتهم تحت شعار أنك تحمى الله، فالله لا يحتاج بودى جاردات، بل يحتاج إلى عباد صالحين منتجين معمّرين الأرض ناشرين البهجة والسعادة والحب.

Monday, May 1, 2017

كنيسةٌ سماوية لكل المصريين بقلم فاطمة ناعوت ١/ ٥/ ٢٠١٧ - المصرى اليوم

كيف ردّتِ الدولةُ المصرية على الإرهاب؟ الحقُّ أن الردَّ جاءَ حادًّا، حاسمًا، وموجعًا. سيذكرُ التاريخُ طويلا هذه الساعات الاستثنائية من صبيحة يوم السبت ٢٩ أبريل، ٢٠١٧. اليوم الذى كان بمثابة ردّ مصر الأبهر على كل مأفون تعس، فجّر كنيسةً على أرض مصر الطيبة، التى تجاورت على أرضها الكنائس والمساجد على مدى العصور، تصطفُّ حولها قلوبُ المصريين الذين لا تزيدهم الفتنُ والمحنُ إلا إيمانًا بأن نجاتنا فى وحدتنا.
أكتبُ مسودةَ هذا المقال، على المساحة البيضاء من عَلم مصر الصغير الذى أهدته لنا بناتُ الكشافة المليحات لحظة دخولنا (استاد ٣٠ يونيو) بالتجمع الخامس. وحين يمتلئُ قلبُ مصرَ الأبيضُ بالكلام، سأقلبُ العَلم، وأكملُ الكتابة على المساحة الصفراء فى علم دولة الفاتيكان. أجلسُ فى مقصورة كبار الزوار تحت وهج شمس مصر الساطعة، أتأمل وجه هذا الراهب الطيب فى دثاره البيض، وهيبته التى ازدادت سموًّا حين تواضع وانحنى، قبل شهر، ليغسل أقدام فقراء اللاجئين من العرب الذين طردتهم بلادهم، محاكيًا السيد المسيح الذى انحنى وغسل أقدام تلاميذه وهو يعلّمهم درس التواضع التاريخى الأشهر. أتأملُ ذلك الراهب، البابا فرنسيس، الذى تفصلنى عنه عدة أمتار، وأحار فى عينيه اللتين تُشرقان بالبِشر والحب لكل البشر دون تمييز فى العقيدة ولا العرق ولا اللون ولا الظرف الاجتماعى أو السياسى. تُرى ما سرّ الفرح فى عينيه، رغم أحزان العالم؟ تذكّرتُ عينى الأم تريزا اللتين كانتا تنثران الفرح من حولهما، حتى وهى تحتضن أطفالَ الجزام ويتامى الفقراء. ولما سُئلت عن سر ذلك الفرح، قالت: «لأننى أمسحُ دموعًا كثيرة». صدقت القديسةُ الطيبة. إن أردتَ أن يسكن الفرحُ قلبَك، امسحْ أحزانَ الناس وانثر فى قلوبهم الفرح والسلام. وهذا بالضبط ما جاء من أجله ذلك الراهب.
البابا فرنسيس الأول، بابا الفاتيكان، فى يومه الثانى بالقاهرة. جاء إلى هذه الأرض الشاسعة، ليرفع صلاته أمام ٢٥ ألف مصريّ فى مدرجات الاستاد ومئات الملايين أمام الشاشات فى كل بقاع الأرض. صلاةٌ تاريخيةٌ على أرض مصر، من أجل شعب مصر، ومن أجل كل بقاع الأرض المأزومة بالإرهاب. جميعُنا، مسلمين ومسيحيين، مصريين وغير مصريين، ردّدنا خلفه آياتِ السلام ورفعنا لله نجوانا. جميعنا رفع يديه وقلبه للإله الواحد ربّ هذا الكون العظيم الذى كانت مشيئته أن نتنوّع حتى نتكامل، وأن نتباين حتى نتحابّ ونثرى ونسمو.
خلال تلك الصلاة التاريخية التى أقامها البابا الكاثوليكى على أرض مصر، قدّم البابا للعالم ولشعب مصر، رسائل عديدة. كأنما قال دون كلمات: يا شعب مصر العظيم، جئتُ إليكم حاملاً إيمانى بكم كشعب عريق واعٍ، قرر أن يتمسك بوحدته، لافظًا سهامَ الفُرقة التى تضرب خاصرته كل يوم، من أقواس أعداء الحياة. جئتُ إليكم مراهنًا على تلك الأرض الطيبة التى صنعت السلام منذ فجر الضمير الإنسانى، ثم قدّمته للعالم فى صورة أولى حضارات الأرض. جئتُ إليكم غير هيّاب مما سماه المحللون: «الإرهاب». فمثلى لا يهاب إرهاب وحوش الإنس، بل أدعو لهم بالغفران والرحمة مشفقًا عليهم من ضلال سعيهم وخروجهم عن مظلة الإنسانية. فالإنسان وُجِد على هذه الأرض ليصنع السلام ويُشيعه. قصدتُ أرض مصر عارفًا أن السلامَ يسكنها، تمامًا كما قصدتْ مصرَكم قبل ألفى عام، أمى وأمُّكم وأمُّ السلام، البتول الطاهرة، مريم العذراء، حاملةً وليدها، السيد المسيح، طفلًا طاهرًا، يرافقهما القديس يوسف. ولّت العائلةُ المقدسة ظهرها لأرض الخوف والإرهاب التى يحكمها هيرودس فى فلسطين، وقطعت سيرًا ألف ميل صوب أرض الحضارة والسلام والبركة، مصر. فكانت زهور البيلسان تُشقشقُ تحت قدمى مريم، وتتفجّر ينابيع الخير أينما حلّت، وأينما ارتحلت من شمال شرق مصر عند رفح، حتى قلبها فى أسيوط، ثم عادوا من حيث أتوا بعدما قضوا فى مصر سنين عددًا، يظلّلهم أمانُ الله وحبُّ شعبكم الكريم. فكيف أخاف على نفسى وما خافت أمى على وليدها، عليهما السلام؟! جئتُ إليكم دون درع واق يذود عنى رصاص الإرهاب الذى وصموا به أرضكم، لأننى لم أصدقهم. فشعبٌ مثل شعبكم بنى تلك الحضارة العظيمة منذ فجر التاريخ الأول، مستحيلٌ أن يسمح ليد الإرهاب السوداء أن تحصد ما زرع منذ آلاف السنين. معكم، والآن، سنطلق صيحة السلام لكل العالم من أرض السلام.
لم يقل البابا فرنسيس ما سبق بالكلمات. تلك الكلمات هى الصورة القلمية التى رسمها قلمى لتلك الزيارة التاريخية التى قدّمها بابا الفاتيكان فى لحظة صعبة من لحظات مصر، كأنما ليقول للعالم: لا تصدقوا الواشين، فلا إرهاب هنا فى تلك الأرض المباركة، التى جئت إليها آمنًا، وخرجتُ منها بعدما أشاعت السلامَ فى نفسى وقد جئتُ لأشيعَ السلام فى ربوعها.
أنظرُ حولى فى ستاد ٣٠ يونيو الشاسع، ثم أهتف لمن حولى: تدرون كيف ردّت مصرُ الجبارة على الإرهابيين؟ قالت: «أنا مصرُ العظيمةُ صاحبة العشرين ألف عام من السعى الحضارى، والسبعة آلاف عام من الحضارة المدونة، قررتُ أن أردَّ على مفجرى الكنائس فى أرضى، بتشييد أضخم كنيسة فى التاريخ هنا على أرض هذا الاستاد. لكنها كنيسة من نوع فريد. كنيسة مفتوحة سقفُها هو السماء ومساحتها بطول حضارة مصر وعرضها. كنيسة سماوية للمصريين كافة، مسلمين ومسيحيين. خرجوا من دورهم مع خيوط الفجر الأولى متوجهين صوب ساحة السلام، رافعين أكفّهم لله ربّ السلام، مُبرئين ذمتَّهم من خصوم السلام. واسلمى يا مصرُ.