Translate

Monday, September 4, 2017

د. عماد جاد - المعونات واستقلال القرار (6) - جريدة الوطن - 4/9/2017

بصرف النظر عن المبررات المعلنة أو الأسباب الحقيقية التى تناولناها فى سلسلة المقالات هذه، فإن الواقع يقول لنا إن واشنطن قررت خفض المعونات والمساعدات المقدمة لمصر، وهو أمر قد يستمر ومن ثم تنتهى المعونات الأمريكية لمصر، أو قد يتغير نتيجة تطورات متوقعة أو غير متوقعة، لكن رغم كل ذلك علينا أن نتعامل بقدر لازم من الجدية مع كل ما له علاقة بالولايات المتحدة، فهى القوة العظمى الأولى فى العالم، وهى التى قدمت لمصر مساعدات ضخمة أسهمت فى تطوير البنية التحتية فى البلاد وخدمة بعض فروع الاقتصاد المصرى، أما المساعدات الأهم فهى العسكرية التى أسهمت بالفعل فى تطوير قدرات قواتنا المسلحة فى وقت كان اقتصادنا فيه منهكاً ومتعباً وغير قادر على تلبية متطلبات تطوير وتحديث أسلحة قواتنا المسلحة، فى وقت قاطعنا فيه العالم العربى وأوقف كل المساعدات ونقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، وفرض المقاطعة على مصر. فى هذا التوقيت بدأت المساعدات الأمريكية لمصر وإسرائيل وكان الهدف تدعيم وترسيخ السلام بين البلدين ومساعدة مصر اقتصادياً باعتبارها حليفاً للولايات المتحدة الأمريكية. وعندما بدأ العرب فى العودة إلى مصر اعتباراً من عام 1989، استمرت واشنطن فى تقديم الدعم والمساعدة لمصر اقتصادياً وعسكرياً. وعندما غزا صدام حسين الكويت عام 1990 كانت مصر على وشك الإفلاس وإعلان العجز عن سداد أقساط الديون، وهو ما دفع واشنطن للتدخل وطلب إسقاط نصف ديون مصر الخارجية مكافأة لها على الدور الذى لعبته فى حرب الخليج الثانية إضافة إلى مساعدات ومنح قدمت من الدول العربية لمصر.
ما نود التأكيد عليه هنا هو أن مصر استفادت كثيراً من المساعدات والمعونات الأمريكية فى وقت كان فيه نوع من التوافق السياسى والاستراتيجى، اليوم وقد حدث نوع من الافتراق السياسى والاستراتيجى نتيجة اعتبارات عديدة منها تصادم الأهداف فى الشرق الأوسط وتصدى مصر للرؤية الأمريكية الكلية للمنطقة وتحديداً فى الثلاثين من يونيو عام 2013، ثم توجه مصر بعد ذلك إلى إفشال المخطط الأمريكى فى سوريا وليبيا، لم تعد مصر توصف بالحليف الاستراتيجى للولايات المتحدة، ومن المنطقى أن تتقلص المساعدات الأمريكية لمصر، وهنا لا بد أن يتولى صانع القرار صياغة رؤية كلية للتعامل مع الولايات المتحدة وفى الوقت نفسه ضبط ردود الفعل المنفلتة من قبل بعض رجال النظام ووسائل الإعلام الموالية والتى يتشابه سلوكها تجاه هذه القضية مع سلوك الدبة التى أرادت خدمة صاحبها فقتلته، ما هذه الحملة الشعواء من قبل محسوبين على الإعلام بل والنظام ضد الولايات المتحدة واستخدام تعبيرات وأوصاف غير أخلاقية فى وصف الولايات المتحدة لمجرد أنها اتخذت قراراً بتقليص المساعدات المقدمة لمصر، فالولايات المتحدة قدمت لمصر الكثير من المساعدات وساعدت كثيراً فى تطوير القدرات العسكرية المصرية وتحملت فى سبيل ذلك توترات فى علاقاتها بإسرائيل التى اتهمت واشنطن بأنها تضر بأمنها عبر تطوير قدرات الجيش المصرى، من هنا لا بد من وقف الحملات الإعلامية المصرية ضد الولايات المتحدة، وتغيير الذهنية المصرية المبنية على الثقافة العربية التى لا تجيد فنون العمل السياسى وتتبع سياسة الحب والكره وهو ما لا علاقة له بالعمل السياسى بل يضر بمصالح الدول ضرراً شديداً. الولايات المتحدة هى القوة العظمى الأولى فى العالم، وذات القدرات العسكرية والتكنولوجية الأولى وفى جميع الأحوال سوف نحتفظ بعلاقة معها قد يغلب عليها التوتر أو الهدوء، لكن مصر لن تعود دولة تابعة لواشنطن ومن ثم لن تحصل على ما كانت تحصل عليه من مساعدات ومنح.

خالد منتصر - أين خبرات ماسبيرو؟! - جريدة الوطن - 3/9/2017

يدور الآن حوار موسع حول تطوير تليفزيون ماسبيرو وإنقاذه من الهاوية السحيقة التى وصل إليها، وللأسف الكل يدلى بدلوه والجميع يفتى إلا أصحاب الخبرة التليفزيونية الحقيقية، ولا أقصد أساتذة الجامعة الأكاديميين وأيضاً لا أقصد الإذاعيين، فلا هؤلاء ولا أولئك هم أهل الخبرة الذين أقصدهم، فالأكاديمى دوره مهم فى نطاق إعطاء المحاضرات وتخريج الطلبة وهو دور مهم وعظيم لكنه سيظل أسير كتبه ومراجعه ولم يختبر فى المطبخ التليفزيونى الحقيقى، لم يصنع برنامجاً على الهواء ولم يقع فى مطب إضاءة ضعيفة أو ديكور غير مناسب أو اتصال خارج السياق أو موضوع محروق أو صوت بايظ... إلخ، الذى يده فى ماء المدرجات غير الذى يده فى نار الاستوديوهات، هل وضع الأكاديمى خريطة قناة؟ هل كتب تمثيلية سهرة؟ هل تفاوض مع شركات إنتاج سينمائى؟ هل تعامل مع قنوات أفلام وثائقية؟! هل ذهب إلى بعثة لدراسة المنوعات أو الأفلام التسجيلية؟ هل دخل استوديو للرسوم المتحركة؟.. والكلام نفسه ينطبق على الإذاعيين، فالميكروفون الإذاعى مختلف والإخراج فى استوديوهات الإذاعة محدود بسقف وأدواته مختلفة، والصوت غير الصورة، ولذلك فالإذاعى لن يطور التليفزيون، الخبرات التليفزيونية يا سادة، التى أهملناها وأطلقنا عليها رصاصة الرحمة، هى التى كانت تصعد على سقالات ماسبيرو وقت بنائه ويتصبب منهم العرق وهم يكتبون الإسكريبتات ويهرولون فى ردهات المبنى وينامون فى الطرقات ليخرج تليفزيون الستينات على هذه الصورة المبهرة، معظمهم سافر فى بعثات وحصل على جوائز وتعلم فضيلة الإنصات ونقل الخبرة والتعلم وأهمية التدريب، إهمال تلك الخبرات جريمة، والتعتيم عليهم كارثة، والخاسر هو الإعلام والدولة والجمهور، طاقات معطلة، هم لا يريدون عملاً ولا ظهوراً على الشاشة إنما يريدون مجرد استشارتهم فى التطوير وعندهم الكثير من الخبرات يريدون نقلها للأجيال الجديدة، وفوق ذلك ما زالوا يحبون هذا الوطن ويعشقون ترابه فى زمن صار الوطن فيه مجرد شقة للإيجار وسبوبة للمكسب.

Sunday, September 3, 2017

د. عماد جاد - المعونات واستقلال القرار (5) - جريدة الوطن - 3/9/2017

عندما بدأ الكونجرس الأمريكى يتحرك لتخفيض المعونات المقدّمة لمصر، طرح مبررات عدة، منها حال حقوق الإنسان فى مصر، ومنها التضييق على الأقباط وحرمانهم من حقوق أصيلة لهم فى الوظائف العليا، إضافة إلى قضية بناء وإصلاح وترميم الكنائس، وأخيراً طرح موضوع قانون الجمعيات الأهلية، فهناك من يراه يقيد حركة وحرية الجمعيات العاملة فى مجال حقوق الإنسان والعمل الأهلى، وهناك من أضاف أن القانون يخالف القوانين الأمريكية فى ما يخص المنح والمساعدات المقدّمة، حيث ينص قانون الجمعيات الأهلية المصرى الجديد على استقطاع 1% من إجمالى المساعدات الأمريكية المقدّمة للمنظمات الأهلية أو منظمات المجتمع المدنى العاملة فى مصر وتقديمها إلى منظمات وجمعيات معيّنة، وهى المنظمات التى لا تحصل على تمويل خارجى وليست لديها قدرة على الحصول على هذا التمويل لمواصلة عملها الأهلى والإنسانى، وقد أبلغنا بعض القائمين على شأن مصر فى الخارجية الأمريكية أن هذا البند يخالف القانون الأمريكى الذى ينص على عدم جواز فرض رسوم أو ضرائب على ما تقدمه «واشنطن» من منح ومساعدات، وقالت لنا المسئولة بوضوح شديد نرجو أن تحذفوا هذا البند من القانون حتى نتمكن من الدفاع عن عدم تخفيض المعونات المقدّمة إلى مصر أمام الكونجرس، وقالوا لنا سوف تستمعون بأنفسكم من أعضاء الكونجرس الذين سوف تلتقون بهم، وهو ما حدث بالفعل. أما فى ما يخص الحديث عن الحريات والحقوق، ورغم أن النقد كان شديداً بفعل تقارير منظمات تابعة لجماعة الإخوان، وأخرى لها سمعة دولية جيدة، فإن الأموال القطرية تمكنت من تجنيد عناصر مهمة فيها إضافة إلى شخصيات نافذة متورطة بشكل مباشر أو غير مباشر فى قضية التمويل الأجنبى ومحكوم عليها، أو على أقارب لها بالسجن فى القضية الشهيرة التى وقعت إبان حكم المجلس العسكرى، وتم تهريبهم سراً، مثل زوج ميشيل دن، إلا أن القضية جرى الرد عليها بأن هناك تحسّناً يطرأ على سجل مصر فى هذا المجال، وأن بعض التجاوزات وقعت بفعل تعرّض البلاد لموجة غير مسبوقة من الإرهاب، إضافة إلى نشاطات هدّامة ممولة خارجياً من بعض الدول والمنظمات. وفى ما يخص أوضاع الأقباط وحقوقهم فقد كان التأكيد بوجود مشكلات بالفعل، لكن الأوضاع فى تحسّن وتطور والقضية برمتها ثقافية، وتتعلق بمعدلات التعليم ومتوسطات الدخل وثقافات محلية منغلقة، وهو ما تحاول الدولة مواجهته عبر حزمة من السياسات، ويبذل رئيس الدولة شخصياً جهداً هائلاً فى هذا المجال، ويواجه تعنّتاً شديداً من رجال الدين أصحاب الفكر المتشدّد. والحقيقة أنه فى ما عدا المادة التى تفرض استقطاع 1% من المنح المقدّمة إلى منظمات المجتمع المدنى، فإن كل ما ذكر كان مجرد مبررات وغطاء لاعتبارات سياسية، بمعنى أن هناك عدم رضا عن سياسات مصر الخارجية، لا سيما فى مجال تنويع مصادر السلاح والخروج عن الإطار التقليدى الذى كان يعتمد على السلاح الأمريكى بالأساس، وهو ما تغيّر بفعل اللجوء إلى شراء السلاح من فرنسا وروسيا والصين وغيرها من الدول المصدّرة للسلاح، وقد كشفت زلة لسان للمتحدث باسم البيت الأبيض ذلك، عندما أشار إلى تحفّظ «واشنطن» على وجود علاقات وتعاون بين مصر وكوريا الشمالية، وبصرف النظر عن صحة المعلومة من عدمها فإن من يحصل على مساعدات ومنح عليه أن يسير وفق التعليمات الصادرة من المانح، بشأن شبكة العلاقات الخارجية ومجالات التعاون وغيرها، فالعوامل الخاصة بالحقوق والحريات وقضية المساواة وحقوق الأقليات والحريات الدينية وغيرها ما هى إلا مبررات تستخدم فى حال الاختلاف السياسى أو خروج الدولة المتلقية للمساعدات عن الخطوط العامة المرسومة لها من الدول المانحة، أما الدول التى لا تتلقى مساعدات خارجية مثل دول «البريكس»، فلا مجال لرفع هذه المبررات فى وجهها، ولو تم رفعها، فالتجاهل التام هو الرد الطبيعى عليها، فمن لا يحصل على مساعدات خارجية يمارس حقوقه وسياساته الخارجية بحرية، ويبنى شبكة علاقاته وفق مصالحه وشئونه الداخلية الخاصة به، التى ليست مجالاً للسجال الخارجى.


Saturday, September 2, 2017

ثمار التفكير الإيجابى بقلم د. وسيم السيسى ٢/ ٩/ ٢٠١٧ المصرى اليوم



حياة الإنسان تصوغها أفكاره، وكما يفكر هكذا يكون! ونحن فى حاجة إلى قوة التفكير الإيجابى. اشترى الدكتور طه حسين ورقة يانصيب، قالت له زوجته: واحدة فقط هى التى ستربح من خمسة آلاف ورقة! رد عليها د. طه حسين: إن ربحت فقد ربحنا المال، وإن لم تربح فقد ربحنا الأحلام!.
يحدثنا نورمان فنسنت بل فى كتابه «قوة التفكير الإيجابى» وكيف أن الكارثة يمكن أن تصبح نعمة، يقول:
كنت فى القطار، أمامى زوج يعمل فى الصناعة، ولما سألته عن زوجته ماذا تعمل؟ قال: الصناعة أيضاً!، صناعة النكد!، أشارت علىَّ بشراء مزرعة، اشتريتها، كلها ثعابين!!.
فكر نورمان قليلاً وقال له: لماذا لا تتفق مع مصانع جلود الثعابين، ومعامل الأمصال ضد سم الثعابين، أنت تملك ثروة لا تحس بها لأن تفكيرك ليس إيجابياً، وبعد سنة أصبح صاحب المزرعة من أصحاب الملايين.
الملاحظ أنه بالرغم من الإيجابيات الكثيرة فى حياة كل منا، إلا أن السلبيات هى التى تطفو على رؤوسنا!. قال أحد الشعراء:
أما ترى البحر.. تعلو فوقه جيف
وتستقر بأقصى قاعة الدرر؟!
ونهدر أعمارنا فى هذه السلبيات، والدرر كامنة فى أعماق نفوسنا.
صديقى الأستاذ عبدالحى خلاف المحامى، فى حوار ممتع حول المشترك فى العقائد السماوية، قال: ركعة عالم بمائتى ركعة جاهل «حديث شريف».
قلت: والسيد المسيح قال: فتشوا الكتب.
قال: ذبح رسول الله شاة، فسأل ثلاث مرات عن هدية اليهودى وقال عليه الصلاة والسلام: مازال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه!.
قلت: والسيد المسيح قال: إن أحببتم الذين يحبونكم فأى فضل لكم؟ أحبوا أعداءكم!.
قال: سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام: امرأة تصلى وتصوم وتزكى، وتؤذى جيرانها!، قال: هى فى النار!.
قلت: فى موعظة الجبل قال السيد المسيح: قيل لكم لا تقتل، ومن يقتل يستوجب الحكم، أما أنا فأقول لكم: من قال لأخيه يا أحمق يستوجب نار جهنم.
قال: من الأحاديث الشريفة: لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا «فارغة المعدة» وتعود بطانا.
قلت: انظروا إلى طيور السماء، لا تزرع ولا تحصد، وأبيكم السماوى يعطيها فتأكل، ألستم أنتم أفضل من طيور السماء. السيد المسيح.
قال صاحبى: لماذا لا ندرس لأولادنا هذه الروائع بدلاً من خروج المسيحيين من الفصول فى حصة الدين، وهذه بداية التفرقة والاستعلاء، التى تؤدى إلى ثقافة الكراهية والانقسام!. حصة للقيم والمبادئ الأخلاقية، نحن شعب واحد تاريخياً جغرافياً، بيولوجيا، دينياً، كجوهر لا كمظهر. هل من المعقول أن الملحدين ليس بينهم قطرة دم، والمؤمنين.. بحور من الدماء!.
لقد قال إلياس قنصل:
سلام على كفر يوحد بيننا
وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
تمنيت لو أنه قال:
سلام على حب يوحد بيننا
فالفرقة لفح من نار جهنم.
أحد شعراء المهجر قال:
أغض الطرف عن أخطاء صحبى
وأعفو عن عدوى أو حسودى
وإذا سألتم عن دينى فإنى
مسيحى أحمدى بوذى يهودى.
كيف ننمى قوة التفكير الإيجابى؟، بالحب!. هذه رومانسية!. أريد فلسفة عملية!. إليك الآتى:
١- أنصت جيداً.. هدير البحر.. هديل الحمام.. حفيف الأشجار.. إنها منذ بلايين السنين وما أعمارنا إلا ومضة!.
٢- فكر فى مصائب غيرك، واشكر الله أنك نجوت.
٣- فكر فى إنجازاتك وكل ما هو جميل فى حياتك.
٤- اكتب على ورقة ما يؤرقك ثم مزقها!.
تذكر أن طيور القلق والخوف تحلق فوق رؤوسنا جميعاً، إياك أن تسمح لها ببناء عش فى رأسك.

د. عماد جاد - المعونات واستقلال القرار (4) - جريدة الوطن - 2/9/2017

عرفنا أن المعونات هى أداة من الأدوات التى تستخدمها الدول لتنفيذ سياساتها الخارجية وتطويع سياسات ومواقف الدول الأخرى كى تتوافق مع سياستها، وهى أداة من الأدوات التى تستخدمها الدول فى الضغط على الدول الأخرى إما لتغيير مواقفها ونمط تصويتها فى المنظمات الإقليمية والدولية أو لدفعها للتصويت وفق ما تريد أو يريد الحلفاء. كما أن للمعونات وظائف غير مرئية تؤثر على عناصر عديدة داخل الدول المتلقية لها، فخذ على سبيل المثال المساعدات العسكرية، ورغم أهميتها فى تمكين الدول المتلقية لها من تحديث وتطوير قدراتها العسكرية ورفع الضغط عن موازنة الدولة، فإن للمعونات العسكرية فوائد جمة للدول المقدمة لها، فهى أولاً: تشغّل دولاب الإنتاج العسكرى فى الدول المقدمة لها، وهى ثانياً: تمكّن الدول المقدمة لها من تحديد نوعيات السلاح الذى تقدمه للدول المتلقية، وهى ثالثاً: تتحكم فى القدرات التكنولوجية للأنماط الحديثة من السلاح، وهى رابعاً: تتولى عملية نقل السلاح وقطع الغيار إلى الدول المتلقية للمساعدات، وهى خامساً: تشترط تولى خبراءها القيام بعمليات التدريب على هذه الأسلحة والمعدات، ويرتبط بكل مجموعة بعض الخطوات التى تكشف المجال الحيوى للدول المتلقية للمساعدات العسكرية للدول المقدمة لها، فهى من ناحية تضمن تحول الدول المتلقية للمساعدات إلى السلاح الغربى، وهى قضية مهمة للغاية للولايات المتحدة ودول المعسكر الغربى، لا سيما بالنسبة للدول التى كانت تعتمد على السلاح الشرقى، فهى بذلك تتمكن من الحصول على نماذج من السلاح الشرقى وتتولى فحصه وكشف أسراره، وهى من ناحية ثانية تضمن تحول هذه الدول إلى السلاح الغربى، ومن ثم تضمن قدوم عسكريين من هذه الدول إلى الولايات المتحدة للحصول على دورات تدريبة، ومن ثم تحول العقيدة القتالية للدول المعنية إلى العقيدة الغربية أو الأمريكية تحديداً، ويترتب على ذلك فى النهاية إجراء تدريبات عسكرية مشتركة على أراضى الدول المتلقية للمساعدات، ومن ثم تصبح الدول المقدمة للمساعدات العسكرية، وعبر التدريبات المشتركة، على دراية كاملة بطبوغرافية الدول التى تجرى على أراضيها المناورات والتدريبات المشتركة. ولكى يتضح لنا كل ذلك نذكر محتويات التقرير الذى أصدره الكونجرس الأمريكى فى أعقاب حرب الخليج الثانية عام 1991، حيث جزم التقرير بأن الإنجاز الذى حققته الولايات المتحدة فى هذه الحرب يعود إلى مجموعة عوامل أبرزها أن السلاح الذى كان بحوزة الجيوش العربية التى شاركت فى الحرب مع قوات التحالف الدولى كان سلاحاً أمريكياً ومن ثم فقد سهّل ذلك مهام عملها مع القوات الأمريكية، أيضاً فإن عدداً كبيراً من كبار الضباط الذين قادوا هذه العمليات سبق لهم الحصول على دورات تدريبية فى الولايات المتحدة ومن ثم فقد كان التفاهم بينهم وبين القيادات الأمريكية يسيراً، وأخيراً فإنه بفضل التدريبات العسكرية المشتركة التى أجرتها الولايات المتحدة مع هذه الدول كانت القوات الأمريكية على دراية كاملة بالطرق والبنية التحتية فى هذه الدول، وأن هذه العوامل مجتمعة مكّنت الولايات المتحدة من تحقيق الإنجاز العسكرى فى حرب الخليج الثانية. قد يقول البعض إن القضية لا علاقة لها بالمساعدات وإنما بطبيعة العلاقات، فتقرير الكونجرس يتحدث عن دول الخليج لا عن مصر، وهو أمر صحيح، لكن ما نعنيه هنا هو أننا نتحدث عن الدول الإقليمية الرئيسية التى عليها الاحتفاظ بقدر من الغموض والسرية فيما يخص استراتيجيتها العسكرية، والأمر هنا ببساطة يتوقف على تنويع مصادر السلاح بين شرقى وغربى وإجراء تدريبات مشتركة مع مدارس عسكرية مختلفة مثل فرنسا وروسيا والصين الشعبية، وتلك هى مشكلة الولايات المتحدة مع مصر اليوم، ومن ثم فلا انزعاج من تخفيض معونات وتقليص مساعدات، فهى مؤشر على تحرك مصر باتجاه مزيد من الاستقلالية والتحرر من النفوذ الأمريكى.

خالد منتصر - ما زلنا نناقش بول البعير ونصفهم بأحفاد الخنازير - جريدة الوطن - 2/9/2017

وصلنى هذا الخبر أمس على الإيميل، وهو خبر قلب عالم شركات الأدوية رأساً على عقب، الخبر الذى سأنقله بكامله يقول إن هناك شركة أدوية إسرائيلية متخصصة فى علاج السرطان اسمها «Kite Pharma»، الشركة عمرها 8 سنوات، فقط تأسست على يد اثنين من الباحثين الإسرائيليين فى مجال علاج السرطان هما «جوشوا كازام» و«آرى بلدجرن»، منذ فترة أعلنت «Kite» عن علاج جديد لسرطان الدم والغدد الليمفاوية اسمه «Axi-Cell» العلاج الجديد فكرته الرئيسية تقوم على استخلاص الخلايا المناعية من جسم المريض وإعادة هندسة الجينات الخاصة بها بحيث تهاجم الورم فقط، ومن ثم إعادتها مرة أخرى للجسم لتقوم بالمهمة والقضاء على السرطان، بدأت تجربة الـ«Axi-Cell» على عينة من المرضى، وكانت المفاجأة أنه أتى بنتائج مبهرة مع حالات سرطان الدم غير المتجاوبة مع أى علاج. وبعد 6 شهور فقط أكثر من ثلث المرضى تم شفاؤهم!! نتائج جعلت سهم الشركة فى بورصة «ناسداك» يطير ويحلق فى الفضاء لدرجة أن قيمة سهم الشركة زادت بنسبة 300% فى عام 2017 فقط!!
ورغم أن «كايت» شركة صغيرة وحديثة عهد بمجال الأدوية الذى يتصارع فيه عمالقة فإنها، بالعلم والابتكار، استطاعت أن تجرى معهم على نفس التراك بنفس السرعة وكتفها فى كتف ديناصور كبير فى مجال الأدوية اسمه «Novartis» والتى ستطرح نفس الدواء وطريقة العلاج ولكن لحالات سرطان الدم عند الأطفال، بينما الـ«Axi-Cell» مخصص للبالغين فقط، وحالياً «كايت ونوفارتس» تسابقان الزمن للحصول على موافقة منظمة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على أساليبهما العلاجية الحديثة فى نوفمبر المقبل.
الخبر الأكثر إثارة هو أن شركة Gilead الأمريكية صاحبة الدواء المعروف لفيروس «سى» الكبدى (سوفالدى) التى استحوذت فى عام 2012 على شركة Pharmasset من صاحب السوفالدى شيناز اليهودى المصرى فى صفقة ضخمة قُدرت بـ11 مليار دولار، ورغم أن خبراء كثيرين انتقدوا الصفقة وقالوا إنها مبالغ فى قيمتها فإن شركة Gilead كانت متأكدة من النجاح، وبالفعل وصلت مبيعات عقار السوفالدى فى أول سنة فقط إلى نحو 12 مليار دولار، أى أكثر من قيمة الصفقة فى أول سنة فقط، بل أصبح السوفالدى العقار الأكثر مبيعاً فى سنة الطرح الأولى فى تاريخ مجال الأدوية فى العالم كله. المهم أن «Gilead» الأمريكية قررت أن تكرر أمجادها مع السوفالدى وتعيد نفس السيناريو مع «كايت» الإسرائيلية، خصوصاً أن لديها أموالاً كثيرة متراكمة من وراء صفقة السوفالدى، وبالفعل قامت «Gilead» منذ أقل من أسبوع بالاستحواذ على «كايت» فى صفقة قياسية أخرى قُدرت بـ11.9 مليار دولار!!!
الخلاصة أن شركة KITE الصغيرة التى تم تأسيسها منذ 8 سنوات فقط أصبحت قيمتها السوقية، بالعلم والابتكار، والتعليم قرابة الـ12 مليار دولار، بينما أكبر شركة مصرية للأدوية، عمرها 37 سنة، ما زالت تنتج الدواء الـgeneric وقيمتها السوقية لا تتعدى الـ590 مليون دولار! وما زال العقل المصرى يدعو على أحفاد القردة والخنازير ويفكر فى العلاج ببول البعير والحجامة وحبة البركة!!.

Friday, September 1, 2017

د. عماد جاد - المعونات واستقلال القرار (3) - جريدة الوطن - 1/9/2017

أشرنا فى المقال السابق إلى أن إدارة أوباما احتفت بما سُمى الربيع العربى وهو فى جوهره قائم على فكرة الفوضى الخلاقة التى وضعتها إدارة بوش الابن وتحديداً فى ولايته الثانية بعد أن شغلت كوندوليزا رايس منصب وزير الخارجية، وجرى نقل سفيرة واشنطن من باكستان (آن باترسون) والتى تسمى مروضة جماعات الإسلام السياسى، وكشفت علاقاتها مع جماعة الإخوان وساندتهم تماماً. فى ذلك الوقت قدمت واشنطن للجماعة كل ما تحتاج من مساعدات بل أمدتها بصفقة ضخمة من الغازات المسيلة للدموع لاستخدامها ضد المتظاهرين والمحتجين ضد حكم المرشد والجماعة. ورغم انتهاك الحقوق والحريات واضطهاد الأقباط والتمييز ضدهم والاعتداء على الكاتدرائية المرقسية، المقر البابوى، لأول مرة فى تاريخ مصر الحديث، لم يصدر عن واشنطن أى رد فعل أو تعليق على مثل هذه الاعتداءات والانتهاكات.
وعندما بدأت حركة تمرد تعد لثورة الثلاثين من يونيو، بذلت «باترسون» جهوداً ضخمة لإعاقة هذه الثورة الشعبية، ذهبت آن باترسون إلى مقر الجماعة ومكتب خيرت الشاطر وأقامت هناك من أجل مساندة الجماعة ومساعدتها فى مواجهة الثورة المتوقعة فى الثلاثين من يونيو، وفى نفس الوقت طلبت لقاء البابا تواضروس الثانى وطلبت منه بوضوح أن يطلب من الأقباط عدم الخروج فى الثلاثين من يونيو حتى لا يتأجج العداء الدينى، وهو ما رد عليه البابا بالرفض القاطع، مؤكداً أن الأقباط مواطنون مصريون أولاً وأخيراً ولهم الحق فى اتخاذ ما يرون من قرارات، ووجهت باترسون خطابها إلى الرأى العام المصرى حينما قالت فى حوار صحفى إن مرسى ليس مبارك، فالأول منتخب ولا يجوز الخروج عليه.
رداً على ذلك رفع المصريون صور الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، وشطبوا على صور أوباما وسفيرته فى القاهرة باترسون. ومع نجاح ثورة الثلاثين من يونيو تأجج غضب الإدارة الأمريكية ورغم أنها لم تصف ما جرى بالانقلاب إلا أنها بدأت سلسلة إجراءات عقابية بحق مصر عبر تجميد مساعدات ومنح سبق إقرارها، وأوقفت تسليم أسلحة ومعدات للجيش المصرى، بل تحفظت على عدد من طائرات الأباتشى التى أرسلتها مصر للصيانة وهى طائرات مهمة للغاية فى ملاحقة العناصر الإرهابية لا سيما فى شمال سيناء.
ضغطت واشنطن على عدد من دول أوروبا الغربية حتى لا تنفتح على النظام الجديد فى مصر، وبدأت تستخدم المبررات والحجج الأخلاقية من أجل تقليص المعونات المقدمة لمصر، فجأة بدأت تتحدث عن التمييز ضد الأقباط والتعنت فى بناء وإصلاح الكنائس، وهى قصص قديمة وصلت إلى الذروة على يد الجماعات الإرهابية وبدأت تعرف طريق الحل بعد 30 يونيو، صحيح المشكلة لا تزال قائمة ومتلازمة بفعل أداء الأجهزة الأمنية والتنفيذية، إلا أن الصحيح أيضاً أن جهوداً تبذل هذه الأيام فى صمت وتحت إشراف رئاسى مباشر من أجل التوصل إلى حلول جذرية لمشكلة الكنائس فى مصر وتحديداً فى الصعيد وخصوصاً محافظة المنيا.
وبدأت واشنطن تتحدث عن الحقوق والحريات فى مصر وتستخدم كل ذلك لاستقطاب أجزاء من المساعدات المقدمة لمصر، وهى مبررات شكلية ونحن نعلم ذلك، فهناك دول سجلها ملىء بالاضطهاد والتمييز وخنق الحريات وحقوق الإنسان وما يصدر عن واشنطن بشأنها مجرد فقرات فى التقرير السنوى للحريات والحقوق فى العالم، وذلك ببساطة لأنها دول لا تحصل على مساعدات أو معونات من واشنطن.
للحصول على المساعدات والمنح ثمن محدد هو استقطاع جزء من استقلالية القرار الوطنى واستخدام هذه المساعدات على الدوام وفق سياسة «العصا والجزرة» وفق مقتضيات الحال ومدى الالتزام بالسير فى ركاب السياسة الأمريكية. ومن ثم فإن الحديث الأمريكى عن تجميد مساعدات أو خفضها يعنى سير مصر وفق رؤية وطنية وبعيداً عن الحدود المرسومة من قبل صانع القرار الأمريكى.